al-Islām wa-uṣūl al-ḥukm · ʿAlī ʿAbd al-Rāziq
الكتاب الثانى، الباب الاول: نظام الحكم فى عصر النبوة
✎ Edit this chapter · every correction is checked before it appears
Printed pages 39–47
الكتاب الثانى — الحكومة والاسلام
قضاؤه (صلعم) — هل ولى (صلعم) قضاة ؟ — قضاء عمر — قضاء على — قضاء معاذ وأبى موسى — صعوبة البحث عن نظام القضاء فى عصر النبوة — خلو العصر النبوى من مخايل الملك — اهمال عامة المؤرخين البحث فى نظام الحكم النبوى — هل كان (صلعم) ملكا ؟
39 (١) لاحظنا إذ كنا نبحث عن تاريخ القضآء زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، ان حال القضآء فى ذلك الوقت لا يخلو من غموض وإبهام يصعب معهما البحث ، ولا يكاد يتيسر معهما الوصول الى رأى ناضج ، يقره العلم ، وتطيب به نفس الباحث .
لا شك فى ان القضآء بمعنى الحكم فى المنازعات وفضها ، كان موجوداً فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، كما كان موجوداً عند العرب وغيرهم ، قبل أن يجىء الاسلام . وقد رفعت الى النبي صلى الله عليه وسلم خصومات فقضى فيها . وقال صلى الله عليه وسلم ،1 أنكم تختصمون 40 اليّ ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض ، فمن قضيت له بحق اخيه شيئاً بقوله ، فانما أقطع له قطعة من النار ، فلا يأخذها »
وفى التاريخ الصحيح شىء من قضآئه عليه السلام فيما كان يرفع اليه ، ولكنا اذا اردنا ان نستنبط شيئاً من نظامه صلى الله عليه وسلم فى القضآء نجد أن استنباط شىء من ذلك غير يسير ، بل غير ممكن ، لان الذى نقل الينا من احاديث القضاء النبوى لا يبلغ أن يعطيك صورة بينة لذلك القضآء ولا لما كان له من نظام ، ان كان له نظام .
(٢) لاحظنا ان حال القضآء زمن النبي صلى الله عليه وسلم غامضة ومبهمة من كل جانب ، حتى لم يكن من السهل على الباحث ان يعرف هل ولى صلى الله عليه وسلم احدا غيره القضاء أم لا .
هنالك ثلاثة من الصحابة يعدهم جمهور العلماء ممن ولي القضآء فى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال بعضهم2 « وقد قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم القضاء لعمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم » اه وينبغى أن يضاف اليهم أبو موسى الاشعري رضي الله عنه ، فقد كان فى عمله ، على ما يظهر ، نظيراً لمعاذ بن جبل سواء بسواء
(٣) اما أن عمر رضي الله عنه تقلد القضآء فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، فرواية غريبة من الجهة التاريخية ، ويظهر انها انما اخذت بطريق الاستنتاج ،3 ففى سنن الترمذي ، أن عثمان قال لعبد الله بن عمر 41 اذهب فاقض بين الناس . قال أوتعافينى يا أمير المؤمنين ، قال وما تكره من ذلك وقد كان ابوك يقضى ؟ قال ان أبى كان يقضى فإن أشكل عليه شىء سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن أشكل على رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل جبريل . وإنى لا أجد من أسأله الخ » .
(٤) وأما علي بن أبى طالب ، رضى الله عنه ، فقد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الى اليمن ، وهو شاب ، ليقضى بينهم … وروى أبو داود ، رحمه الله تعالى ، عن على بن أبى طالب ، رضى الله تعالى عنه ، وقال بعثنى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، الى اليمن قاضياً ، وأنا حديث السن ، ولا علم لى بالقضاء ، وقال ان الله سيهدى قلبك ، ويثبت لسانك ، فاذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر ، كما سمعت من الأول ، فانه أحرى أن يتبين لك القضاء . قال فما زلت قاضياً ، وما شككت فى قضاء بعد . كذا ذكره أبو عمرو بن عبد البر فى الاستيعاب . وقال أيضاً . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اصحابه ، « أقضاهم على بن ابى طالب » . اه
والذى فى البخارى4 مما يتصل بهذا الموضوع ، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعث خالد بن الوليد الى اليمن قبل حجة الوداع ، مع جماعة من الصحابة ، وبعث علياً بعد ذلك مكانه ليقبض الخمس ، وقدم علىّ من اليمن بسعايته الى مكة ، والنبى صلى الله عليه وسلم بها .
42 ونقل على بن برهان الدين الحلبى5 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعث علياً كرم الله وجهه ، فى سرية الى اليمن ، فأسلمت همدان كلها فى يوم واحد ، فكتب بذلك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأى كتابه خر ساجداً ، ثم جلس ، فقال السلام على همدان . وتتابع أهل اليمن الى الاسلام . وهذه هى السرية الاولى . والسرية الثانية بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً ، كرم الله وجهه الى بلاد مذحج من أرض اليمن فى ثلثمائة فارس ، فغزاهم . . . وجمع الغنائم . . . ثم رجع على كرم الله وجهه ، فوافى النبى صلى الله عليه وسلم بمكة ، قدمها لحجة الوداع . الخ
(٥) « وأما معاذ6 بن جبل ، فقد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضياً الى الجَنَد من اليمن ، يعلم الناس القرآن ، وشرائع الاسلام ، ويقضى بينهم . وجعل له قبض الصدقات من العمال ، الذين باليمن ، وذلك عام فتح مكة ، فى السنة الثامنة من الهجرة . والجند بفتح الجيم والنون معاً ، بلدة باليمن » .
وقال البخارى7 في هذا الموضوع بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا موسى ومعاذ بن جبل الى اليمن ، قال وبعث كل واحد منهما على مخلاف ، واليمن مخلافان ، ثم قال ، يسرا ولا تعسرا ، وبشرا ولا تنفرا
وفى حديث آخر للبخارى ، أنه قال لمعاذ بن جبل ، انك ستأتى 43 قوما من أهل الكتاب ، فاذا جئتهم فادعهم الى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، قال فان هم أطاعوا لك بذلك ، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات فى كل يوم وليلة ، فان هم أطاعوا لك بذلك ، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ، فان هم أطاعوا لك بذلك فاياك وكرائم أموالهم ، واتق دعوة المظلوم فانه ليس بينه وبين الله حجاب
ويقرب من هذا رواية السيد احمد زينى دحلان فى السيرة النبوية8 قال « بعث صلى الله عليه وسلم أبا موسى الاشعرى ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما الى اليمن قبل حجة الوداع ، فى السنة العاشرة ، وقيل فى التاسعة… وقيل عام الفتح سنة ثمانٍ ، وكل واحد منهما على مخلاف ، وكان جهة معاذ العليا صوب عدن ، وكان من عمله الجَنَد . وكانت جهة أبي موسى السفلى اه .
وأخرج9 أحمد وابو داود والترمذى وغيرهم ، من حديث الحارث ابن عمرو ، بن أخى المغيرة بن شعبة ، قال حدثنا ناس من أصحاب معاذ عن معاذ ، قال لما بعثه النبى صلى الله عليه وسلم الى اليمن قال كيف تقضي اذا عرض لك قضاء ؟ قال أقضى بكتاب الله ، قال فان لم تجد فى كتاب الله ، قال فبسنة رسول الله ، قال فان لم تجد فى سنة رسول الله ولا فى 44 كتاب الله ؟ قال أجتهد رأيى ولا آلو . قال فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره ، وقال الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله اه .
(٦) تلك الروايات المختلفة ، التى قصصنا عليك نموذجاً منها ، تريك كيف يسوغ لنا أن نستنتج ما قلناه لك قبل ، من أنه لا تتيسر الاحاطة بشىء كثير من أحوال القضاء فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم ، وها أنت ذا قد رأيت كيف اختلفت الرواية عن حادثة واحدة بعينها . فبعث على الى اليمن يرويه أحدهم انه تولية للقضاء ، ويروى الآخر انه كان لقبض الخمس من الزكاة ، ومعاذ بن جبل كذلك ، ذهب الى اليمن قاضياً فى رأى ، وغازيا فى رأى ، ومعلما فى رأى
ونقل صاحب السيرة النبوية10 خلافاً فى أن معاذا كان واليا أو قاضيا « فقال ابن عبد البر إنه كان قاضيا ، وقال الغساني إنه كان أميراً على المال . وحديث ابن ميمون فيه التصريح بأنه كان أميراً على الصلاة . وهذا يرجح أنه كان والياً » اه
(٧) وأن البحث العميق فيما كان عليه القضاء زمن النبى صلى الله عليه وسلم ، إطالة التفكير فى ذلك ، وحسن التفهم لما وصل الينا متصلا بهذا الموضوع من الاحاديث والاخبار ، كل أولئك يدفعنا إلى البحث بوجه عام فى نظام الحكومة الاسلامية ، أيام النبى صلى الله عليه وسلم ، وفى كيفية تدبير ذلك الملك الاسلامى ، إن ساغ لنا بحق أن نسمى ما فتح الله لنبيه من البلاد دولة وملكا .
45 ذلك باننا وجدنا عند البحث فى نظام القضاء فى عصر النبوة أن غير القضاء أيضاً من أعمال الحكومات ووظائفها الاساسية لم يكن فى ايام الرسالة موجوداً على وجه واضح لا لبس فيه ، حتى يستطيع باحث منصف أن يذهب الى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعين فى البلاد التى فتحها الله له ولاة مثلا لادارة شؤونها ، وتدبير أحوالها وضبط الامر فيها . وما يروى من ذلك فكله عبارة عن توليته اميراً على الجيش ، أو عاملا على المال ، أو إماماً للصلاة ، أو معلما للقرآن ، أو داعيا الى كلمة الاسلام . ولم يكن شىء من ذلك مطرداً ، وانما كان يحصل لوقت محدود ، كما ترى فيمن كان يستعملهم صلى الله عليه وسلم على البعوث والسرايا ، أو يستخلفهم على المدينة اذا خرج للغزو
اذا نحن تجاوزنا عمل القضاء والولاية الى غيرهما من الاعمال ، التى لا يكمل معنى الدولة الا بها ، كالعمالات التى تتصل بالاموال ومصارفها ( المالية ) وحراسة الانفس والاموال ( البوليس ) وغير ذلك مما لا يقوم بدونه أقل الحكومات وأعرقها فى البساطة ، فمن المؤكد اننا لا نجد فيما وصل الينا من ذلك عن زمن الرسالة شيئا واضحا يمكننا ونحن مقتنعون ومطمئنون ، أن نقول انه كان نظام الحكومة النبوية
(٨) ومما قد يستأنس به فى هذا الموضوع ، أننا لاحظنا أن عامة المؤلفين ، من رواة الاخبار يعنون فى الغالب ، اذا ترجموا الخليفة من الخلفاء أو ملك من الملوك ، بذكر عماله من ولاة وقواد وقضاة الخ ويفردون له بحثا خاصا ، يدل على انهم عرفوا تماما قيمة ذلك البحث من 46 الجهة العلمية ، فصرفوا من الجهد فيه والعناية به ما يناسبه ، ولكنهم فى تاريخ النبي صلى الله عليه وسلم ، إن عالجوا ذلك البحث رأيتهم يزجون الحديث فيه مبعثرا غير متسق ، ويخوضون غمار ذلك البحث على نسق لا يماثل طريقتهم فى بحث بقية العصور . ما رأينا مؤرخاً شذ عن ذلك ، اللهم الا ما سننقله لك بعد عن رفاعة11 بك رافع الطهطاوى ، في كتاب نهاية الايجاز فى سيرة ساكن الحجاز ، نقلا عن صاحب كتاب تخريج الدلالات السمعية
(٩) كلما أمعنا تفكيراً فى حال القضاء زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وفى حال غير القضاء أيضا ، من اعمال الحكم ، وأنواع الولاية ، وجدنا ابهاما فى البحث يتزايد ، وخفاء فى الامر يشتد . ثم لا تزال حيرة الفكر تنقلنا من لبس الى لبس ، وتردنا من بحث الى بحث ، الى أن ينتهي النظر بنا الى غاية ذلك المجال المشتبه الحائر . واذا نحن إزاء عويصة أخرى هى كبرى تلكم المعضلات ، وهي منشأ ما لقينا من حيرة واضطراب . هي الاصل وما عداها فروع ، وهي الأم وما عداها تبع
تلك مشكلة إذا وفق العقل لحلها فقد هانت من بعدها المشاكل ، وانجلى كل لبس وإبهام
أننا لنقترب بك الى هذه المشكلة ونحن نقدم رجلا ونؤخر أخرى ، أما اوّلا فلانّ حلها عسير ، ومزالق الفكر فيها كثيرة . وما لم يكن عون من الله تعالى أيّ عون فلا أمل فى الوصول إلى وجه الصواب فيها .
47 وأما ثانياً فلان المغامرة فى بحث هذا الموضوع قد تكون مثاراً لغارة يشب نارها أولئك الذين لا يعرفون الدين الا صورة جامدة ، ليس للعقل ان يحوم حولها ، ولا للرأي أن يتناولها :
ولكنا نستعين بالله تعالى ، ونرجو منه جل شأنه حسن التوفيق ، عسى أن نكشف لك ما غمض ، ونفتح عليك ما استغلق ، ونصل بك الى الحق أبلج الوجه ، واضح الغرة ، ان شاء الله .
فاعلم أن المسألة الآن هى ان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان صاحب دولة سياسية ورئيس حكومة كما كان رسول دعوة دينية وزعيم وحدة دينية أم لا ؟