Skip to content
☰ Contents 4 of 11

al-Islām wa-uṣūl al-ḥukm · ʿAlī ʿAbd al-Rāziq

الكتاب الاول، الباب الثالث: الخلافة من الوجهة الاجتماعية

Printed pages 21–38

دعوى الاجماع — تمحيصها — انحطاط العلوم السياسية عند المسلمين — عناية المسلمين بعلوم اليونان — ثورة المسلمين على الخلافة — اعتماد الخلافة على القوة والقهر — الاسلام دين المساواة والعزة — الخلافة مقام عزيز وغيرة صاحبه عليه شديدة — الخلافة والاستبداد والظلم — الضغط الملوكى على النهضة العلمية والسياسية — لا تقبل دعوى الاجماع — آخر أدلتهم على الخلافة — لابد للناس من نوع من الحكم — الدين يعترف بحكومة — الحكومة غير الخلافة — لاحاجة بالدين ولا بالدنيا الى الخلافة — انقراض الخلافة فى الاسلام — الخلافة الاسمية فى مصر — النتيجة

21 (١) زعموا وقد فاتهم كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم « أنه تواتر اجماع المسلمين فى الصدر الأول ؛ بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، على امتناع خلو الوقت من إمام ، حتى قال أبو بكر رضى الله عنه فى خطبته المشهورة ، حين وفاته عليه السلام ، ألا إن محمدا قد مات ، ولا بد لهذا الدين ممن يقوم به ، فبادر الكل الى قبوله . وتركوا له أهم الأشياء ، وهو دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يزل الناس على ذلك ؛ فى كل عصر الى زماننا هذا ، من نصب إمام متبع فى كل عصر » 1 اه

22 (٢) نسلم أن الاجماع حجة شرعية ، ولا نثير خلافا فى ذلك مع 2 المخالفين . ثم نسلم أن الاجماع فى ذاته ممكن 3 الوقوع والثبوت ، ولا نقول مع القائل 4 ، إن من ادعي الاجماع فهو كاذب . أما دعوى الاجماع فى هذه المسألة فلا نجد مساغاً لقبولها على أى حال . ومحال اذا طالبناهم بالدليل أن يظفروا بدليل ، على أننا مثبتون لك فيما يلى أن دعوى الاجماع هنا غير صحيحة ولا مسموعة ، سواء أرادوا بها إجماع الصحابة وحدهم ، أم الصحابة والتابعين ، أم علماء المسلمين ، أم المسلمين كلهم ، بعد أن نمهد لهذا تمهيدا .

(٣) من الملاحظ البين فى تاريخ الحركة العلمية عند المسلمين أن حظ العلوم السياسية فيهم كان بالنسبة لغيرها من العلوم الاخرى أسوأ حظ ، وأن وجودها بينهم كان أضعف وجود ، فلسنا نعرف لهم مؤلفا فى السياسة ولا مترجما ، ولا نعرف لهم بحثا فى شىء من أنظمة الحكم ولا أصول السياسة ، اللهم الا قليلا لا يقام له وزن إزاء حركتهم العلمية فى غير السياسة من الفنون . 23 ذلك وقد توافرت عندهم الدواعى التى تدفعهم الى البحث الدقيق فى علوم السياسة ، وتظاهرت لديهم الأسباب التى تعدهم للتعمق فيها

(٤) وأقل تلك الأسباب أنهم مع ذكائهم الفطرى ، ونشاطهم العلمى ، كانوا مولعين بما عند اليونان من فلسفة وعلم ، وقد كانت كتب اليونان التى انكبوا على ترجمتها ودرسها كافية فى أن تغريهم بعلم السياسة وتحببه اليهم ، فان ذلك العلم قديم ، وقد شغل كثيراً من قدماء الفلاسفة اليونانيين وكان له فى فلسفة اليونان ، بل فى حياتهم ، شأن خطير

(٥) وهناك سبب آخر أهم . ذلك أن مقام الخلافة الاسلامية كان منذ الخليفة الاول ، أبى بكر الصديق ، رضى الله تعالى عنه ، الى يومنا هذا ، عرضة للخارجين عليه المنكرين له ، ولا يكاد التاريخ الاسلامى يعرف خليفة الا عليه خارج ، ولا جيلا من الاجيال مضى دون أن يشاهد مصرعا من مصارع الخلفاء

نعم ربما كان ذلك غالباً شأن الملوك فى كل أمة وكل ملة وجيل ؛ ولكن لا نظن أن أمة من الامم تضارع المسلمين فى ذلك ، فان معارضتهم للخلافة نشأت اذ نشأت الخلافة نفسها ، وبقيت ببقائها

ولحركة المعارضة هذه تاريخ كبير جدير بالاعتبار . وقد كانت المعارضة احيانا تتخذ لها شكل قوة كبيرة ، ذات نظام بيّن كما فعل الخوارج فى زمن على بن ابى طالب ، وكانت حيناً تسير تحت ستار الانظمة الباطنية . كما كان لجماعة الاتحاد والترقى مثلا ، وكانت تضعف احيانا حتى لايكاد يحس لها وجود ، وتقوى احيانا حتى تزلزل 24 عروش الملوك ، وكانت ربما سلكت طريق العمل متى استطاعت ، وربما سارت على طريقة الدعوة العلمية أو الدينية على حسب ظروفها وأحوالها

مثل هذه الحركة كان من شأنها أن تدفع القائمين بها الى البحث فى الحكم ، وتحليل مصادره ومذاهبه ، ودرس الحكومات وكل مايتصل بها . ونقد الخلافة وما تقوم عليه ، الى آخر ما تتكون منه علوم السياسة . لا جرم أن العرب قد كانوا أحق بهذا العلم ، وأولى من يوليه

(٦) فما لهم قد وقفوا حيارى أمام ذلك العلم ، وارتدوا دون مباحثه حسيرين ؟ ما لهم أهملوا النظر فى كتاب الجمهورية Republic لافلاطون وكتاب السياسة Politics لارسطو ، وهم الذين بلغ من اعجابهم بارسطو أن لقبوه المعلم الاول ؟ وما لهم رضوا أن يتركوا المسلمين فى جهالة مطبقة بمبادىء السياسة وأنواع الحكومات عند اليونان ، وهم الذين ارتضوا أن ينهجوا بالمسلمين مناهج السريان فى علم النحو ، وأن يروضوهم برياضة بَيْدبا الهندى فى كتاب كليلة ودمنة بل رضوا بان يمزجوا لهم علوم دينهم بما فى فلسفة اليونان من خير وشر ، وايمان وكفر ؟

لم يترك علماؤنا أن يهتموا بعلوم السياسة اهتمامهم بغيرها غفلة منهم عن تلك العلوم ، ولا جهلا بخطرها ، ولكن السبب فى ذلك هو ما نقصه عليك

(٧) الاصل فى الخلافة عند المسلمين ان تكون « راجعة الى اختيار اهل العقد والحل 5 » إذ « الامامة عقد يحصل بالمبايعة من اهل 25 الحل والعقد لمن اختاروه إماما للأمة ، بعد التشاور بينهم 6 »

قد يكون معنى ذلك أن الخلافة تقوم عند المسلمين على أساس البيعة الاختيارية ، وترتكز على رغبة أهل العقد والحل من المسلمين ورضاهم ، وقد يكون من المعقول أن توجد فى الدنيا خلافة على الحد الذى ذكروا ، غير أننا إذا رجعنا الى الواقع ونفس الأمر وجدنا أن الخلافة فى الاسلام لم ترتكز إلا على أساس القوة الرهيبة ، وأن تلك القوة كانت ، الا فى النادر ، قوة مادية مسلحة . فلم يكن للخليفة ما يحوط مقامه الا الرماح والسيوف ، والجيش المدجج والبأس الشديد ، فبتلك دون غيرها يطمئن مركزه ، ويتم أمره .

قد يسهل التردد فى أن الثلاثة الأول من الخلفاء الراشدين مثلا شادوا مقامهم على أساس القوة المادية ، وبنوه على قواعد الغلبة والقهر ، ولكن أيسهل الشك فى أن علياً ومعاوية رضى الله تعالى عنهما لم يتبوءآ عرش الخلافة إلا تحت ظلال السيف ، وعلى أسنة الرمح ، وكذلك الخلفاء من بعد الى يومنا هذا . وما 7 كان لأمير المؤمنين محمد الخامس سلطان تركيا ، أن يسكن اليوم يلدز لولا تلك الجيوش التى تحرس قصره ، وتحمى عرشه ، وتفنى دون الدفاع عنه

لا نشك مطلقاً فى أن الغلبة كانت دائماً عماد الخلافة ، ولا يذكر التاريخ لنا خليفة إلا اقترن فى أذهاننا بتلك الرهبة المسلحة التى تحوطه ، 26 والقوة القاهرة التى تظله ، والسيوف المصلتة التى تذود عنه .

ولولا أن نرتكب شططاً فى القول لعرضنا على القارىء سلسلة الخلافة الى وقتنا هذا ليرى على كل حلقة من حلقاتها طابع القهر والغلبة ، وليتبين أن ذلك الذى يسمى عرشاً لا يرتفع الا على رؤس البشر ، ولا يستقر إلاّ فوق أعناقهم . وان ذلك الذى يسمى تاجا لا حياة له الا بما يأخذ من حياة البشر ، ولا قوة الا بما يغتال من قوتهم ، ولا عظمة له ولا كرامة الا بما يسلب من عظمتهم وكرامتهم — كالايل إن طال غال الصبح بالقصر — وان بريقه انما هو من بريق السيوف ، ولهيب الحروب ،

قد يلاحظ فى بعض سنى التاريخ أن تلك القوة المسلحة ، التى هى دعامة الخلافة ، لا تكون ظاهرة الوجود ، محسوسة للعامة ، فلا تحسبن ذلك شذوذاً عما قررنا ، فان القوة موجودة حتما ، وعليها يرتكز مقام الخليفة ، غير أنه قد يمر زمن لا تستعمل فيه تلك القوة ، لعدم الحاجة الى استعمالها ، فاذا طال اختفاؤها عن الناس غفلوا عنها ، وربما حسب بعضهم أنها لم تكن موجودة . ولو كانت غير موجودة ، حقيقة لما كان للخليفة بعدها وجود « وما الملك الا التغلب والحكم بالقهر » كما قال ابن خلدون 8 « ومن كلام أنوشروان فى هذا المعنى بعينه ، الملك بالجند . وينسب إلى أرسطو ، الملك نظام يعضده الجند 9 »

(٨) طبيعى أن الملك فى كل أمة لا يقوم الا على الغلب والقهر . « فان الملك منصب شريف ملذوذ ، يشتمل على جميع الخيرات الدنيوية ، 27 والشهوات البدنية ، والملاذ النفسانية ، فيقع فيه التنافس غالباً ، وقل أن يسلمه أحد لصاحبه إلا إذا غلب عليه10 » وطبيعى فى الأمم الاسلامية بنوع خاص أن لا يقوم فيهم ملك ، إلا بحكم الغلب والقهر أيضاً . فان الاسلام هو الدين الذى لم يكتف بتعليم أتباعه فكرة الإخاء والمساواة ، وتلقينهم مذهبَ أن الناس سواسية كأسنان المشط ، وأن عبيدكم الذين هم ملك يمينكم اخوانكم فى الدين ، وأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض . لم يكتف الاسلام بتعليم أتباعه ذلك المذهب تعليما نظرياً مجرداً ، ولكنه أخذ المسلمين به أخذاً عملياً ، وأدبهم به تأديباً ، ومرنهم عليه تمريناً ، وشرع لهم الأحكام قائمة على الأخوة والمساواة ، وأجرى عليهم الواقعات ، وأراهم الحادثات ، فأحسوا بالأخوة إحساساً ، ولمسوا المساواة لمساً . ولم يتركهم رسولهم الأمين صلوات الله عليه وسلامه إلا من بعد ما طبع قلوبهم على ذلك الدين وأشربها ذلك المذهب ، ولم تقم دولتهم إلا حين كان ينادى أحدهم خليفته فوق المنبر ، لو وجدنا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا

من الطبيعى فى أولئك المسلمين الذين يدينون بالحرية رأياً ، ويسلكون مذاهبها عملا . ويأنفون الخضوع إلا لله رب العالمين ، ويناجون ربهم بذلك الاعتقاد فى كل يوم سبع عشرة مرة على الاقل ، فى خمسة أوقاتهم للصلاة . من الطبيعى فى أولئك الأباة الاحرار أن يأنفوا الخضوع لرجل منهم أو من غيرهم ذلك الخضوع الذى يطالب به الملوك رعيتهم ، إلا خضوعا للقوة ، ونزولا على حكم السيف القاهر

28 فذلك ما ذكرنا من أن الخلافة فى الاسلام لم ترتكز إلا على أساس القوة الرهيبة ، وأن تلك القوة كانت ، إلا فى النادر ، قوة مادية مسلحة .

إنه لا يعنينا كثيراً أن نعرف السر كله فى ذلك . وقد يكون السر هو ما ذكرنا ، وربما كانت ثمت أسباب أخرى غير ما ذكرنا ، وانما الذى يعنينا فى هذا المقام هو أن تقرر لك أن ارتكاز الخلافة على القوة حقيقة واقعة ، لا ريب فيها . وسيان عندنا بعد ذلك أن يكون هذا الواقع المحسوس جارياً على نواميس العقل أم لا ، وموافقاً لأحكام الدين أم لا

لا معنى لقيام الخلافة على القوة والقهر إلا ارصادهما لمن يخرج على مقام الخلافة ، أو يعتدى عليه ، واعداد السيف لمن يمس بسوء ذلك العرش ، ويعمل على زلزلة قوائمه

وأنت تستطيع أن تدرك مثلا لذلك فى قصة البيعة ليزيد ، حين قام أحد11 الدعاة إلى تلك البيعة خطيباً فى الحفل ، فأوجز البيان فى بضع كلمات لم تدع — لذى إربة فى القول جداً ولا هزلا — قال « أمير المؤمنين هذا » وأشار إلى معاوية « فإن هلك فهذا » وأشار إلى يزيد « فمن أبى فهذا » وأشار إلى سيفه

(٩) كل شىء يؤخذ بحد السيف ويحمى بحده يكون عزيزاً على النفس ، لا يهون التسامح فيه ، ولا التنازل عن شىء منه . وناهيك بمقام 29 السيادة والسلطان فهو عزيز على النفس ، حتى ولو جاء من غير عمل السيف ، فاذا جاء من طريق القوة والغلب كانت النفس به أشد تعلقا ، وفى الدفاع عنه أشد تفانيا ، وكانت غيرتها عليه أكثر من الغيرة على المال والحرم ، وولعها به فوق الولع بكل ما فى الدنيا من خيرات ونعم .

(١٠) واذا كان فى هذه الحياة الدنيا شىء يدفع المرء الى الاستبداد والظلم ، ويسهل عليه العدوان والبغي ، فذلك هو مقام الخليفة ، وقد رأيت أنه اشهى ما تتعلق به النفوس ، وأهم ما تغار عليه . واذا اجتمع الحب البالغ والغيرة الشديدة ، وأمدتهما القوة الغالبة ، فلا شىء الا العسف ، ولا حكم الا السيف .

دع عنك كل ذلك الحديث الذى نسوقه اليك قواعد عامة ، ونظريات مجردة ، ودونك وقائع التاريخ ثابتة فى لوح محفوظ .

أفهل غير حب الخلافة والغيرة عليها ، ووفرة القوة ، دفعت يزيد ابن معاوية الى استباحة ذلك الدم الزكى الشريف ، دم الحسين بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهل غير تلك العوامل سلطت يزيد بن معاوية على عاصمة الخلافة الاولى ، ينتهك حرمتها ، وهى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم . وهل استحل عبد الملك بن مروان بيت الله الحرام ووطئ حماه ، الا حبا فى الخلافة وغيرة عليها ، مع توافر القوة له

وهل بغير تلك الأسباب صار ابو العباس عبد الله بن محمد بن على ابن عبد الله بن العباس ، سفاحا ، وما كانت الا دماء المسلمين ، وما كان بنو أمية الا من قومه .

30 كذلك تناحر بنو العباس أيضا ، وبغى بعضهم على بعض ، وفعل بنو سبكتكين مثل ذلك ، وحارب الصالح نجم الدين الأيوبى أخاه العادل أبا بكر بن الكامل . فخلعه وسجنه . وامتلأت دولتا المماليك والجراكسة بخلع الملوك وقتلهم . كل ذلك لم يكن الا أثراً من آثار حب الخلافة والغيرة عليها ، ومن وراء الحب والغيرة قوة قاهرة . وكذلك القول فى دولة بنى عثمان12

(١١) الغيرة على الملك تحمل الملك على أن يصون عرشه من كل شىء قد يزلزل أركانه ، أو ينقص من حرمته ، أو يقلل من قدسيته ، لذلك كان طبيعياً أن يستحيل الملك وحشا سفاحا ، وشيطانا مارداً ، اذا ظفرت يداه بمن يحاول الخروج عن طاعته ، وتقويض كرسيه . وانه لطبيعى كذلك فى الملك أن يكون عدواً لدوداً لكل بحث ولو كان علمياً يتخيل أنه قد يمس قواعد ملكه أو يريح من تلقائه ريح الخطر ، ولو كان بعيداً .

من هنا نشأ الضغط الملوكى على حرية العلم ، واستبداد الملوك بمعاهد التعليم ، كلما وجدوا الى ذلك سبيلا ، ولا شك أن علم السياسة هو من أخطر العلوم على الملك ، بما يكشف من أنواع الحكم وخصائصه وأنظمته الى آخره ، لذلك كان حتما على الملوك أن يعادوه وأن يسدوا سبيله على الناس .

ذلك تأويل ما يلاحظ من قصور النهضة الاسلامية فى فروع السياسة ، وخلو حركة المسلمين العلمية من مباحثها ، ونكوص العلماء عن التعرض لها ، على النحو الذى يليق بذكائهم ، وعلى النحو الذى تعرضوا به لبقية العلوم .

31 (١٢) لسنا نعجب ، والامر ما قد عرفت ، من ضعف الحركة العلمية السياسية عند المسلمين ، ولا من انحطاط شأن السياسة عندهم ، ولكن العجب هو ان لا يموت بينهم ذلك العلم ، وان لا يقضى عليه القضاء كله . العجب العجيب هو ان يتسرب من خلال ذلك الضغط الخانق ، والقوة المترصدة ، والبأس المحيط ، بعض مباحث السياسة الى مجالس العلم ، وان يعرف لبعض قليل من العلماء ، رأى فى مسألة سياسية على غير ما يهوى الخلفاء .

لو وضعنا هذا الكتاب كله فى بيان الضغط الملوكى الاسلامى على كل علم سياسى . وكل حركة سياسية ، أو نزعة سياسية ، لضاق هذا الكتاب وأضعافه عن استيعاب القول فى ذلك ، ثم لعجزنا عن بيانه على وجه كامل ، فحسبنا الآن تلك الاشارة المجملة : وعسى أن يمر بك قريباً بعض ما يتصل بهذا البحث

ونعود بك الآن الى حيث كنا عند قولهم « ان الامة قد أجمعت على نصب الامام ، فكان ذلك اجماعاً دالاً على وجوبه »

لو ثبت عندنا ان الامة فى كل عصر سكتت على بيعة الامامة ؛ فكان ذلك اجماعا سكوتياً ، بل لو ثبت ان الامة بجملتها وتفصيلها قد اشتركت بالفعل فى كل عصر فى بيعة الامامة واعترفت بها . فكان ذلك اجماعا صريحاً ، لو نقل الينا ذلك لانكرنا ان يكون اجماعا حقيقياً ، ولرفضنا أن نستخلص منه حكماً شرعياً . وأن نتخذه حجة فى الدين

وقد عرفتَ من قصة13 يزيد كيف كانت تؤخذ البيعة ؛ ويغتصب الاقرار . وانتظر قليلا فلدينا مزيد

32 تذكرنا قصة يزيد بن معاوية بقصة فيصل بن حسين بن علي ، كان أبوه حسين بن علي أحد أمراء العرب ، الذين انحازوا فى الحرب العظمى الى جانب الحلفاء ، خروجاً على الترك ، وعلى سلطان الترك خليفة المسلمين ، فقام أولاده فى بلاد العرب وفى جوانبها ينصرون جيوش الحلفاء نصراً مبيناً ، ويخذلون أعداءهم من الترك والالمان وغيرهم ، وامتاز فيصل ، أحد أولئك الاولاد ، بالزلفى من الانجليز لحسن بلائه فى مساعدتهم ، واخلاصه فى خدمتهم ، فعينوه ملكا على الشَام . ولم يكد يستقر بها حتى هاجمت ملكه جيوش الفرنسيين ، فولى فيصل هارباً ، تاركاً مملكته وعرشه وغيرهما ، حتى وصل الى انجلترا ، ومن هنالك حمله الانجليز الى بلاد العراق ، ونصبوه عليها ملكا وقد زعم الانجليز ان اهل الحل والعقد من أمة العراق انتخبوا فيصلا ليكون ملكا عليهم بالاجماع ، اللهم الا ان يكون قد خالف فى ذلك نفر قليل لا يعتد بهم ، كأولئك الذين دعاهم ابن خلدون من قبل شواذ .

ولعمرك ما كذب الانجليز ، فانهم قد عملوا انتخابا ، له كل مظاهر الانتخاب الحر القانونى ؛ واخذوا يومئذ رأى الكثيرين من أهل الزعامة فى العراق ، فكان رأيهم ان ينتخبوا فيصلا ملكا عليهم .

ولكن مما لا شك عندك فيه ان «هذا» الذى أخذ به خطيب معاوية البيعة ليزيد ، هو عينه « هذا » الذى اخذ به الانجليز اجماع العراقيين لإمامة فيصل . أفهل تسمى ذلك اجماعا !

لو ثبت الاجماع الذي زعموا لما كان اجماعا يعتد به ، فكيف وقد قالت 33 الخوارج لا يجب نصب الامام اصلا14 وكذلك قال الاصم من المعتزلة ، وقال غيرهم ايضا ، كما سبقت15 الاشارة اليه . وحسبنا فى هذا المقام نقضا لدعوى الاجماع ان يثبت عندنا خلاف الأصم والخوارج وغيرهم ، وان قال ابن خلدون انهم شواذ .

(١٣) عرفت ان الكتاب الكريم قد تنزه عن ذكر الخلافة والاشارة اليها ، وكذلك السنة النبوية قد أهملتها ، وان الاجماع لم ينعقد عليها ، أفهل بقى لهم من دليل فى الدين غير الكتاب أو السنة أو الاجماع ؟

نعم بقى لهم دليل آخر لا نعرف غيره ، هو آخر ما يلجأون اليه ، وهو أهون أدلتهم وأضعفها .

قالوا ان الخلافة تتوقف عليها اقامة الشعائر الدينية وصلاح الرعية16 الخ

(١٤) المعروف الذى ارتضاه علماء السياسة انه لا بد لاستقامة الأمر فى أمة متمدينة ، سواء أكانت ذات دين أم لا دين لها ، وسواء أكانت مسلمة أم مسيحية أم يهودية أم مختلطة الاديان — لا بد لامة منظمة ، مهما كان معتقدها ، ومهما كان جنسها ولونها ولسانها ، من حكومة تباشر شئونها ، وتقوم بضبط الامر فيها ، قد تختلف أشكال الحكومة وأوصافها بين دستورية واستبدادية ، وبين جمهورية وبولشيفية وغير ذلك . قد يتنازع علماء السياسة فى تفضيل نوع من 34 الحكومة على نوع آخر . ولكنا لا نعرف لاحد منهم ولا من غيرهم نزاعا فى أن أمة من الامم لا بد لها من نوع ما من أنواع الحكم . ولهم على ذلك أدلة ليس من غرضنا هنا أن نعرض لها . فليس ذلك بموضعها ، على اننا لا نشك فى أن ذلك الرأى فى جملته صحيح ، وان الناس لا يصلحون فوضى لا سراة لهم ، ولعل أبا بكر رضى الله تعالى عنه إنما كان يشير الى ذلك الرأى حينما قال فى خطبته التى سبقت الأشارة اليها « لا بد لهذا الدين ممن يقوم به » ولعل الكتاب الكريم ينحو ذلك المذهب أحيانا . قال تعالى فى سورة الزخرف « أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ؟ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهم مَعِيشَتَهُمْ فى الحيوة الدُنيَا ، ورَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ، لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا ، ورَحْمَتُ رَبِّكَ خير مما يَجْمَعُونَ . »

وقال تعالى فى سورة المائدة « وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فيهِ ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فأُولَئِكَ هُمْ الفَاسِقُونَ . وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتابِ وَمُهَيْمِناً عليهِ ، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ ولاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ، لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ، ولو شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ، وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فى مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ، إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ . وأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ ، ولا تَتَّبِعْ اهْوَاءَهُمْ ، 35 واحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ ، فإِنْ تَوَلَّوْ فاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِم ، وإِنَّ كَثِيراً من النَّاس لَفَاسِقُونَ . أَفَحُكْمَ الجاهلِيَّةِ يَبْغُونَ ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ يا أَيُّهَا الَّذين آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ ، بَعْضُهم أَوْلِيَاءُ بعضٍ ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ، إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ » الخ

(١٥) يمكن حينئذ ان يقال بحق إن المسلمين ، اذا اعتبرناهم جماعة منفصلين وحدهم ، كانوا كغيرهم من امم العالم كله ، محتاجين الى حكومة تضبط أمورهم ، وترعى شئونهم .

ان يكن الفقهاء ارادوا بالامامة والخلافة ذلك الذى يريده علماء السياسة بالحكومة كان صحيحاً ما يقولون ، من ان إقامة الشعائر الدينية ، وصلاح الرعية ، يتوقفان على الخلافة ، بمعنى الحكومة . فى أى صورة كانت الحكومة ، ومن أى نوع . مطلقة أو مقيدة ، فردية أو جمهورية ، استبدادية أو دستورية أو شورية ، ديمقراطية أو اشتراكية أو بلشفية . لا ينتج لهم الدليل ابعد من ذلك . أما ان ارادوا بالخلافة ذلك النوع الخاص من الحكم الذى يعرفون فدليلهم أقصر من دعواهم ، وحجتهم غير ناهضة .

(١٦) الواقع المحسوس الذي يؤيده العقل ، ويشهد به التاريخ قديماً وحديثاً . ان شعائر الله تعالى ومظاهر دينه الكريم لا تتوقف على ذلك النوع من الحكومة الذى يسميه الفقهاء خلافة . ولا على اولئك الذين 36 يلقبهم الناس خلفاء . والواقع ايضاً ان صلاح المسلمين فى دنياهم لا يتوقف على شىء من ذلك . فليس بنا من حاجة الى تلك الخلافة لامور ديننا ولا لامور دنيانا . ولو شئنا لقلنا أكثر من ذلك . فإنما كانت الخلافه ولم تزل نكبة على الاسلام وعلى المسلمين ، وينبوع شر وفساد ، وربما بسطنا لك ذلك بعد ، أما الآن فحسبنا ان نكشف لك عن الواقع المحسوس لتؤمن بأن ديننا غنى عن تلك الخلافة الفقهية ، ودنيانا كذلك

(١٧) علمت مما نقلنا17 لك عن ابن خلدون « انه قد ذهب رسم الخلافة وأثرها بذهاب عصبية العرب ، وفناء جيلهم ، وتلاشى أحوالهم ، وبقي الامر ملكا بحتا ،…. وليس للخليفة منه شىء » ، أفهل علمت ان شيئاً من ذلك قد صدع اركان الدين ، وأضاع مصلحة المسلمين ، على وجه كان يمكن للخلافة ان تتلافاه لو وجدت .

منذ منتصف القرن الثالث الهجرى أخذت الخلافة الاسلامية تنقص من أطرافها ، حتى لم تعد تتجاوز ما بين لابتى دائرة ضيقة حول بغداد « وصارت18 خراسان وما وراء النهر لابن ساسان وذريته من بعده . وبلاد البحرين للقرامطة ، واليمن لابن طَبَاطِبا ، وأصفهان وفارس لبنى بويه ، والبحرين وعمان لفرع من عائلة القرامطة ، قد أسس فيها دولة مستقلة . . . . والاهواز وواسط لمعز الدولة ، وحلب لسيف الدولة ومصر لاحمد بن طولون ، ومن بعده للملوك الذين تغلبوا عليها وامتلكوها 37 واستقلوا بأحكامها ، كالاخشيديين والفاطميين والايوبيين والمماليك وغيرهم . » حصل ذلك فما كان الدين أيامئذ فى بغداد مقر الخلافة خيراً منه فى غيرها من البلاد التى انسلخت عن الخلافة ولا كانت شعائره أظهر ، ولا كان شأنه أكبر ، ولا كانت الدنيا فى بغداد أحسن ، ولا شأن الرعية أصلح .

(١٨) هوت الخلافة عن بغداد ، فى منتصف القرن السابع الهجرى ، حين هاجمها التتر ، وقتلوا الخليفة العباسى المستعصم بالله ، وقتلوا معه أهله وأكابر دولته « وبقى19 الاسلام ثلاث سنين بدون خليفة »

(١٩) وكان الملك فى مصر يومئذ للظاهر بيبرس ولامر ما أخذ ذلك الداهية ينبش بين مصارع العباسيين ، حتى أعثره الحظ برجل ، زعموا أنه من فلول الخلافة العباسية ، ومن انقاض بيتها ، وكذلك أراده الظاهر أن يكون ، فانشأ منه بيتاً للخلافة فى مصر ، يأخذ الظاهر بجميع مفاتيحه وأغلاقه ، واتخذ هياكل سماهم خلفاء المسلمين ، وحمل المسلمين على أن يدينوا لجلالتهم ، وفى يديه وحده أزمة تلك الهياكل ، وتصريف حركاتهم وسكناتهم ، وأطراف ألسنتهم ، ثم كانت تلك سنة الملوك الجراكسة فى مصر بعد الملك الظاهر ، الى أن أخذ الخلافة الملوك العثمانيون سنة ٩٢٣ هـ

هل كان فى شىء من مصلحة المسلمين لدينهم أو دنياهم تلك التماثيل الشلاء ، التى كان يقيمها ملوك مصر ويلقبونها خلفاء . بل تلك الاصنام يحركونها ، والحيوانات يسخرونها ؟ ثم ما بال تلك البلاد الاسلامية 38 الواسعة غير مصر التى نزعت عنها ربقة الخلافة ، وأنكرت سلطانها ، وعاشت وما زال يعيش كثير منها بعيداً عن ظل الخلفاء ، وعن الخضوع الوثنى لجلالهم الدينى المزعوم ؟ أرأيت شعائر الدين فيها دون غيرها أهملت ، وشؤون الرعية عطلت — أم هل أظلمت دنياهم لما سقط عنها كوكب الخلافة ، وهل جفتهم رحمة الارض والسماء ، لما بان عنهم الخلفاء ؟ كلا .

بانوا فما بكت الدنيا لمصرعهم ولا تعطلت الاعياد والجمع

(٢٠) معاذ الله لا يريد الله جل شأنه لهذا الدين ، الذى كفل له البقاء ، أن يجعل عزه وذله منوطين بنوع من الحكومة ، ولا بصنف من الامراء . ولا يريد الله جل شأنه لعباده المسلمين ان يكون صلاحهم وفسادهم رهن الخلافة ، ولا تحت رحمة الخلفاء .

لَله جل شأنه أحفظ لدينه ، وأرحم بعباده .

عسى ان يكون فيما أسلفنا مقنع لك بأن تلك التى دعوها الخلافة او الامامة العظمى لم تكن شيئاً قام على اساس من الدين القويم ، او العقل السليم ، وبأن ما زعموا ان يكون برهانا لها هو اذا نظرت وجدته غير برهان .

ولعل من حقك علينا ان تسأل الآن عن رأينا الخاص في الخلافة وفي منشئها . وان علينا أن نأخذ بك في بيان ذلك . مستمدين من الله جل شأنه حسن المعونة والهدى والتوفيق

Cite this chapter

al-Rāziq, ʿAlī ʿAbd. “الكتاب الاول، الباب الثالث: الخلافة من الوجهة الاجتماعية.” In al-Islām wa-uṣūl al-ḥukm, First edition (Cairo, 1925); the page numbers in the text are those of this edition. pp. 21–38. Scan: Arabic Collections Online (NYU, https://sites.dlib.nyu.edu/viewer/node/68525. Online text: Islamic Internet Archives, https://islamicarchives.org/works/al-islam-wa-usul-al-hukm/chapter-4/

check jurisdiction: author d. 1966