Skip to content
☰ Contents 3 of 11

al-Islām wa-uṣūl al-ḥukm · ʿAlī ʿAbd al-Rāziq

الكتاب الاول، الباب الثانى: حكم الخلافة

Printed pages 12–20

الموجبون لنصب الخليفة — المخالفون فى ذلك — أدلة القائلين بالوجوب — القرآن والخلافة — كشف الشبهة عن بعض آيات — السنة والخلافة — كشف شبهة من يحسب فى السنة دليلا

12 (١) نصب الخليفة عندهم واجب اذا تركه المسلمون أثموا كلهم أجمعون . يختلفون بينهم فى ان ذلك الوجوب عقلى أو شرعى ، وذلك خلاف لا شأن لنا به هنا ، ولكنهم لا يختلفون فى أنه واجب على كل حال حتى زعم ابن خلدون ان ذلك مما انعقد عليه الاجماع . قال 1

(٢) « وقد شذ بعض الناس فقال بعدم وجوب هذا النصب رأساً لا بالعقل ولا بالشرع منهم الاصم 2 من المعتزلة وبعض الخوارج 3 وغيرهم . والواجب عند هؤلاء انما هو امضاء احكام الشرع فاذا تواطأت الامة على العدل وتنفيذ احكام الله تعالى لم يحتج الى امام ولا يجب نصبه ، وهؤلاء محجوجون بالاجماع »

(٣) ودليلهم على ذلك الوجوب :

اولا : اجماع الصحابة والتابعين « لان اصحاب رسول الله صلى الله 13 عليه وسلم عند وفاته بادروا الى بيعة أبى بكر رضى الله عنه ، وتسليم النظر إليه فى امورهم ، وكذا فى كل عصر من بعد ذلك ، ولم تترك الناس فوضى فى عصر من الاعصار ، واستقر ذلك اجماعاً دالا على وجوب نصب الامام » 4

ثانياً : ان نصب الامام « يتوقف عليه اظهار الشعائر الدينية ، وصلاح الرعية ، وذلك كالامر بالمعروف والنهى عن المنكر ، اللذين هما فرضان بلا شك …. وبدون نصب الامام لا يمكن القيام بهما . واذا لم يقم بها احد لا تنتظم امور الرعية ، بل يقوم التناهب فيما بينهم مقام التواهب ، ويكثر الظلم ، وتعم الفوضى ، ولا تفصل الخصومات التى هى من ضروريات المجتمع الانسانى ، ولا شك أن مايتوقف عليه الفرض فرض ، فكان نصب الامام فرضاً كذلك …. ومثل الامر والنهى فى التوقف على نصب الامام الكليات الست التى تجب المحافظة عليها بالزواجر والحدود التى بينها الشارع لا بغير ذلك . والكليات الست هى حفظ الدين . . . وحفظ النفس . . . وحفظ العقل وحفظ النسب . . . وحفظ المال . . . وحفظ العرض 5 » اه

(٤) لم نجد فيما مر بنا من مباحث العلماء الذين زعموا أن اقامة الامام فرض من حاول أن يقيم الدليل على فرضيته بآية من كتاب الله الكريم . ولعمرى لو كان فى الكتاب دليل واحد لما تردد العلماء فى 14 التنويه والاشادة به ، أو لو كان فى الكتاب الكريم ما يشبه أن يكون دليلا على وجوب الامامة لوجد من انصار الخلافة المتكلفين ، وانهم لكثير ، من يحاول أن يتخذ من شبه الدليل دليلا . ولكن المنصفين من العلماء والمتكلفين منهم قد اعجزهم ان يجدوا في كتاب الله تعالى حجة لرأيهم فانصرفوا عنه الى مارأيت ، من دعوى الاجماع تارة ، ومن الالتجاء الى أقيسة المنطق واحكام العقل تارة أخرى .

(٥) هنالك بعض آيات من القرآن كنا نحسب من الحق علينا ان نبين لك حقيقة معناها ، حتى لا يخيل اليك انها تتصل بشىء من أمر الامامة ، مثل قوله تعالى ( ٤ : ٦٢ يَا أَيُّهَا الَّذِين آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) وقوله تعالى ( ٤ : ٨٥ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) الخ . ولكنا لم نجد من يزعم أن يجد فى شىء من تلك الآيات دليلا ، ولا من يحاول أن يتمسك بها ، لذلك لا نريد أن نطيل القول فيها ، تجنباً للغو البحث ، والجهاد مع غير خصم .

واعلم على كل حال أن أولى الامر قد حملهم المفسرون فى الآية الاولى على 6 « أمراء المسلمين فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده ويندرج فيهم الخلفاء والقضاة وأمراء السرية … وقيل علماء الشرع ، لقوله تعالى : ولو ردوه الى الرسولى والى أولى الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم »

15 وأما أولو الأمر فى الآية الثانية فهم « كبراء الصحابة البصراء بالأمور ، أو الذين كانوا يؤمرون منهم » 7 وكيفما كان الأمر فالآيتان لاشىء فيهما يصلح دليلا على الخلافة التى يتكلمون فيها ،

وغاية ماقد يمكن إرهاق الآيتين به أن يقال إنهما تدلان على أن للمسلمين قوماً منهم ترجع اليهم الأمور . وذلك معنى أوسع كثيراً وأعم من تلك الخلافة بالمعنى الذى يذكرون بل ذلك معنى يغاير الآخر ولا يكاد يتصل به .

واذا أردت مزيداً فى هذا البحث فارجع الى « كتاب الخلافة » للعلامة 8 السير تومس أرنلد . ففى الباب الثانى والثالث منه بيان ممتع مقنع

وقد يكون مما يؤنسك فى هذا المقام كلمة ذكرها صاحب المواقف بعد أن استدل على وجوب نصب الامام باجماع المسلمين ، قال « فان قيل لابد للاجماع من مستند ، ولو كان لنقل نقلا متواتراً لتوفر الدواعى اليه . قلنا استغنى عن نقله بالاجماع فلا توفر للدواعى ، أو نقول كان مستنده من قبيل مالا يمكن نقله من قرائن الأحوال التى لا يمكن معرفتها الا بالمشاهدة والعيان ، لمن كان فى زمنه عليه السلام 9 » اه

فهو كما ترى يقول ، إن ذلك الاجماع لايعرف له مستند . وما كان صاحب المواقف ليلجأ الى هذه القولة لو وجد فى كتاب الله تعالى مايصلح له مستنداً .

16 إنه لعجب عجيب أن تأخذ بيديك كتاب الله الكريم ، وتراجع النظر فيما بين فاتحته وسورة الناس ، فترى فيه تصريف كل مثل ، وتفصيل كل شىء من أمر هذا الدين 10 « مافَرَّطْنَا فِي الكتابِ مِنْ شَيْءٍ » ثم لاتجد فيه ذكراً لتلك الامامة العامة أو الخلافة . إن فى ذلك لمجالا للمقال

(٦) ليس القرآن وحده هو الذى أهمل تلك الخلافة ولم يتصد لها ، بل السنة كالقرآن أيضاً . قد تركتها ولم تتعرض لها . يدلك على هذا أن العلماء لم يستطيعوا أن يستدلوا فى هذا الباب بشىء من الحديث ، ولو وجدوا لهم فى الحديث دليلا لقدموه فى الاستدلال على الاجماع ، ولما قال صاحب المواقف ان هذا الاجماع مما لم ينقل له سند .

(٧) يريد السيد محمد رشيد رضا أن يجد فى السنة دليلا على وجوب الخلافة فانه نقل عن سعد الدين 11 التفتازانى فى المقاصد ما استدل به على وجوب الامامة ، ولم يكن من بين تلك الأدلة بالضرورة شىء من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقام السيد رشيد يعترض على السعد ، بأنه « قد غفل هو وأمثاله عن الاستدلال على نصب الامام بالاحاديث الصحيحة الواردة فى التزام جماعة المسلمين وإمامهم ، وفى بعضها التصريح بأن من مات وليس فى عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ، وسيأتى حديث حذيفة المتفق عليه ، وفيه قوله (ص) له « تلزم جماعة المسلمين وإمامهم 12 »

17 قبل أن نحدثك فى ذلك الاعتراض نلفتك الى انه يتضمن تأييد ماقلناه لك ، من أن العلماء لم يستدلوا فى هذا الباب بشىء من الحديث

وليس السيد رشيد بدعاً فيما يريد أن يحتج به ، فقد سبقه الى ذلك ابن 13 حزم الظاهرى بل قد زعم هذا :

إن القرآن والسنَّة قد وردا بايجاب الامام ، من ذلك قول الله تعالى ( ٤ — ٦٢ ) أَطِيعُوا اللهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِى الامْرِ مِنْكُمْ ) مع أحاديث كثيرة صحاح فى طاعة الائمة وايجاب الامامة 14

وأنت إذا تتبعت كل ما يريدون الرجوع اليه من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم لم تجد فيها شيئاً أكثر من أنها ذكرت الامامة أو البيعة أو الجماعة الخ مثل ما روى « الائمة من قريش » « تلزم جماعة المسلمين » « من مات وليس فى عنقه بيعة فقد مات ميتة جاهلية » « من بايع اماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ان استطاع ، فان جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر » 15 « اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر الخ الخ 16 ، وليس فى شىء من ذلك كله ما يصلح دليلا على ما زعموه ، من أن الشريعة اعترفت بوجود الخلافة أو الامامة العظمى ، بمعني النيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم والقيام مقامه من المسلمين .

18 لانريد ان نناقشهم فى صحة الاحاديث التى يسوقونها فى هذا الباب ، وقد كان لنا فى مناقشتهم فى ذلك مجال فسيح ، ولكنا نتنزَّل جدلا الى افتراض صحتها كلها . ثم لا نناقشهم فى المعنى الذى يريده الشارع من كلمات ، امامة وبيعة وجماعة . الخ

وقد كانت تحسن مناقشتهم فى ذلك ، ليعرفوا أن تلك العبارات وأمثالها فى لسان الشرع ، لاترمى الى شىء من المعانى التى استحدثوها بعد ، ثم زعموا أن يحملوا عليها لغة الاسلام .

نتجاوز لهم عن كل تلك الأبواب من الجدل ، تقول إن الأحاديث كلها صحيحة ، تقول إن الأئمة وأولى الأمر ونحوهما اذا وردت فى لسان الشرع فالمراد به أهل الخلافة وأصحاب الإمامة العظمى . وأن البيعة معناها بيعة الخليفة ، وأن جماعة المسلمين معناها حكومة الخلافة الاسلامية الخ

نفترض ذلك كله ، ونتنزل كل ذلك التنزل ، ثم لا نجد فى تلك الأحاديث ، بعد كل ذلك ، ما ينهض دليلا لاولئك الذين يتخذون الخلافة عقيدة شرعية ، وحكماً من أحكام الدين .

تكلم عيسى بن مريم عليه السلام عن حكومة القياصرة ، وأمر بأن يعطى ما لقيصر لقيصر ، فما كان هذا اعترافاً من عيسى بأن الحكومة القيصرية من شريعة الله تعالى ، ولا مما يعترف به دين المسيحية ، وما كان لأحد ممن يفهم لغة البشر فى تخاطبهم أن يتخذ من كلمة عيسى حجة له على ذلك .

19 وكل ماجرى فى أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام من ذكر الإمامة والخلافة والبيعة الخ لا يدل على شىء أكثر مما دل عليه المسيح حينما ذكر بعض الأحكام الشرعية عن حكومة قيصر .

واذا كان صحيحا أن النبي عليه الصلاة والسلام قد أمرنا أن نطيع إماما بايعناه . فقد أمرنا الله تعالى كذلك أن نفى بعهدنا لمشرك عاهدناه ، وأن نستقيم له ما استقام لنا ، فما كان ذلك دليلا على أن الله تعالى رضى الشرك ، ولا كان أمره تعالى بالوفاء للمشركين مستلزما لاقرارهم على شركهم

أولسنا مأمورين شرعا بطاعة البغاة والعاصين ، وتنفيذ أمرهم اذا تغلبوا علينا وكان فى مخالفتهم فتنة تخشى ، من غير أن يكون ذلك مستلزما لمشروعية البغي ، ولا لجواز الخروج على الحكومة

أولسنا قد أمرنا شرعا باكرام السائلين . واحترام الفقراء ، والاحسان اليهم . والرحمة بهم ، فهل يستطيع ذو عقل أن يقول إن ذلك يوجب علينا شرعا أن نوجد بيننا فقراء ومساكين

ولقد حدثنا الله تعالى عن الرق . وأمرنا أن نفك رقاب الأرقاء . وأمرنا أن نعاملهم بالحسنى . وأمرنا بكثير غير ذلك فى شأن الارقاء ، فما دل ذلك على أن الرق مأمور به فى الدين . ولا على انه مرغوب فيه

وكثيراً ما ذكر الله تعالى الطلاق . والاستدانة ، والبيع والرهن . وغيرها ، وشرع لها أحكاما فما دل ذلك بمجرده على أن شيئاً منها واجب فى الدين ، ولا على أن لها عند الله شأناً خاصا

20 فاذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر البيعة والحكم والحكومة وتكلم عن طاعة الأمراء ؛ وشرع لنا الاحكام فى ذلك فوجه ذلك ما قد عرفت وفهمت .

أما بعد فان دعوى الوجوب الشرعى دعوى كبيرة ؛ وليس كل حديث وإن صح بصالح لموازنة تلك الدعوى

Cite this chapter

al-Rāziq, ʿAlī ʿAbd. “الكتاب الاول، الباب الثانى: حكم الخلافة.” In al-Islām wa-uṣūl al-ḥukm, First edition (Cairo, 1925); the page numbers in the text are those of this edition. pp. 12–20. Scan: Arabic Collections Online (NYU, https://sites.dlib.nyu.edu/viewer/node/68525. Online text: Islamic Internet Archives, https://islamicarchives.org/works/al-islam-wa-usul-al-hukm/chapter-3/

check jurisdiction: author d. 1966