Skip to content
☰ Contents 6 of 11

al-Islām wa-uṣūl al-ḥukm · ʿAlī ʿAbd al-Rāziq

الكتاب الثانى، الباب الثانى: الرسالة والحكم

Printed pages 48–63

لا حرج فى البحث عما اذا كان « صلعم » ملكا أم لا — الرسالة شىء والملك شىء آخر — القول بأنه « صلعم » كان ملكا أيضاً — بعض العلماء يشرح بالتفصيل الدقيق نظام حكومة النبي « صلعم » — بعض ما يشبه أن يكون من مظاهر الدولة زمن النبي « صلعم » — الجهاد — الأعمال المالية — أمراء قيل ان النبي « صلعم » استعملهم على البلاد — هل كان تأسيس النبي لدولة سياسية جزءاً من رسالته ؟ — الرسالة والتنفيذ — ابن خلدون يرى أن الاسلام شرع تبليغى وتنفيذى — اعتراض على ذلك الرأى — القول بأن الحكم النبوى جمع كل دقائق الحكومة — احتمال جهلنا بنظام الحكومة النبوية — مناقشة ذلك الوجه — احتمال أن تكون البساطة الفطرية هى نظام الحكم النبوى — بساطة هذا الدين — مناقشة ذلك الرأى :

48 « ١ » لا يهولنك البحث فى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ملكا أم لا ، ولا تحسبن أن ذلك البحث ذو خطر فى الدين قد يخشى شره على ايمان الباحث ، فالأمر ، ان فطنت اليه ، أهون من أن يخرج مؤمناً من حظيرة الايمان ، بل وأهون من أن يزحزح المتقى عن حظيرة التقوي

وانما قد يبدو لك الأمر خطيراً لانه يتصل بمقام النبوة ، ويرتبط بمركز الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكنه على ذلك لا يمس فى الحقيقة 49 شيئاً من جوهر الدين ، ولا أركان الاسلام . وربما كان ذلك البحث جديداً فى الاسلام لم يتناوله المسلمون من قبل على وجه صريح ولم يستقر للعلماء فيه رأى واضح ، واذاً فليس بدعاً فى الدين ، ولا شذوذاً عن مذاهب المسلمين ، أن يذهب باحث الى ان النبى عليه السلام كان رسولا وملكا ، وليس بدعاً ولا شذوذاً أن يخالف فى ذلك مخالف ، فذلك بحث خارج عن دائرة العقائد الدينية التى تعارف العلماء بحثها ، واستقر لهم فيها مذهب ، وهو أدخل فى باب البحث العلمى منه فى باب الدين فأقدم ولا تخف ، إنك من الآمنين

(٢) أنت تعلم أن الرسالة غير الملك ، وأنه ليس بينهما شىء من التلازم بوجه من الوجوه ، وأن الرسالة مقام والملك مقام آخر ، فكم من ملك ليس نبياً ولا رسولا ، وكم لله جل شأنه من رسل لم يكونوا ملوكا . بل ان أكثر من عرفنا من الرسل انما كانوا رسلا فحسب

ولقد كان عيسى بن مريم عليه السلام رسول الدعوة المسيحية ، وزعيم المسيحيين ، وكان مع هذا يدعو الى الاذعان لقيصر ، ويؤمن بسلطانه . وهو الذى أرسل بين أتباعه تلك الكلمة البالغة1 « أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله »

وكان يوسف بن يعقوب عليه السلام ، عاملا من العمال ، فى دولة الريان بن الوليد ، فرعون مصر . ومن بعده كان عاملا لقابوس بن مصعب2

50 ولا نعرف فى تاريخ الرسل من جمع الله له بين الرسالة والملك » إلا قليلا

فهل كان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ممن جمع الله له بين الرسالة والملك ، أم كان رسولا غير ملك ؟

(٣) لا نعرف لاحد من العلماء رأيا صريحاً فى ذلك البحث ولا نجد من تعرض للكلام فيه ، بحسب ما أتيح لنا . ولكنا قد نستطيع بطريق الاستنتاج أن نقول : إن المسلم العامى يجنح غالباً الى اعتقاد أن النبى صلى الله عليه وسلم كان ملكا رسولا ، وأنه أسس بالاسلام دولة سياسية مدنية ، كان هو ملكها وسيدها . لعل ذلك هو الرأى الذى يتلاءم مع ذوق المسلمين العام ، ومع ما يتبادر من أحوالهم فى الجملة ، ولعله أيضا هو رأى جمهور العلماء من المسلمين ، فانك تراهم ، اذا عرض لهم الكلام فى شىء يتصل بذلك الموضوع ، يميلون الى اعتبار الاسلام وحدة سياسية ، ودولة أسسها النبى صلى الله عليه وسلم

وكلام ابن خلدون فى مقدمته ينحو ذلك المنحى ، فقد جعل الخلافة التى هى نيابة عن صاحب الشرع فى حفظ الدين وسياسة الدنيا ، شاملة للملك والملك مندرجاً تحتها الخ3

(٤) وقد نقل المرحوم رفاعة بك رافع عن كتاب تخريج الدلالات السمعية ما يشبه أن يكون صريحاً فى ذلك الرأى ، بل الواقع انه صريح ، 51 قال ما ملخصه4 « ان من لم ترسخ فى المعارف قدمه ، وليس لديه من أدوات الطالب إلا يداه وقلمه ، يحسب كثيراً من الاعمال السلطانية مبتدعاً لا متبعاً ، وأن العامل على خطة دنيوية ، ليس عاملا فى عمالة سنية ، ويظن أن عمالته دنية . فلهذا جمعت ما علمته من تلك العمالات فى كتاب يوضح نشرها ، ويبين الأمر لمن جهل أمرها ، فذكرت فى كل عمالة مَن ولاه عليها الرسول من الصحابة ، ليعلم ذلك من يليها الآن ، فيشكر الله على أن استعمله فى عمل شرعى ، كان يتولاه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلح له ، وأقامه المولى فى ذلك مقامه » اه

ثم لخص رفاعة بك الكلام فى الوظائف والعمالات البلدية ، خصوصية وعمومية ، أهلية داخلية وجهادية التى هي عبارة عن نظام السلطنة الاسلامية وما يتعلق بها من الحرف والصنائع ، والعمالات الشرعية ، على ما كان فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجمع فى ذلك بين الكلام على خدمه الخاصة به صلى الله عليه وسلم ، وما يضاف الى الامامة العظمى من الاعمال الاولية كالوزارة والحجابة وولاية البُدْن5 والسقاية6 والكتابة وما يضاف الى العمالات الفقهية من معلم القرآن ومعلم الكتابة ومعلم الفقه ، والمفتى وامام الصلاة والمؤذن … ، ثم ذكر التراجمة وكتابة الجيش والعطاء والديوان والزمام ، وبيّن أن للديوان أصلا فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر العمالات المتعلقة بالاحكام ، كالامارة العامة على 52 النواحى ، والقضاء ، وما يتعلق به من اشهاد الشهود وكتابة الشروط والعقود والمواريث والنفقات ، والقسام وناظر البناء للتحديد ، وذكر المحتسب والمنادى ، ومتولى حراسة المدينة ، والجاسوس لاهل المدينة ، والسجان ومقيمى الحدود ، ثم ذهب يعدد الاعمال الحكومية واحداً بعد واحد ، حتى لم يكد يدع شيئاً ، وحتى قال رفاعة بك : ان ذلك شىء لم يف به غالب مؤلفى كتب السير بل جميعهم

(٥) لا شك فى أن الحكومة النبوية كان فيها بعض ما يشبه أن يكون من مظاهر الحكومة السياسية وآثار السلطنة والملك

(٦) أول ما يخطر بالبال مثالا من أمثلة الشؤون الملكية ، التى ظهرت أيام النبى صلى الله عليه وسلم ، مسألة الجهاد ، فقد غزا صلى الله عليه وسلم المخالفين لدينه من قومه العرب ، وفتح بلادهم ، وغنم اموالهم ، وسبى رجالهم ونساءهم . ولا شك فى انه صلى الله عليه وسلم قد امتد بصره الى ما وراء جزيرة العرب ، واستعد للانسياب بجيشه فى اقطار الارض ، وبدأ7 فعلا يصارع دولة الرومان فى الغرب ، ويدعو الى الانقياد لدينه كسرى الفرس فى الشرق ، ونجاشى الحبشة ومقوقس مصر الخ

وظاهر أول وهلة أن الجهاد لا يكون لمجرد الدعوة الى الدين ، ولا لحمل الناس على الايمان بالله ورسوله ، وانما يكون الجهاد لتثبيت السلطان ، وتوسيع الملك

دعوة الدين دعوة الى الله تعالى ، وقوام تلك الدعوة لا يكون 53 الا البيان، وتحريك القلوب بوسائل التأثير والاقناع فأما القوة والاكراه فلا يناسبان دعوة يكون الغرض منها هداية القلوب ، وتطهير العقائد . وماعرفنا فى تاريخ الرسل رجلا حمل الناس على الايمان بالله بحد السيف ، ولا غزا قوماً فى سبيل الاقناع بدينه ، وذلك هو نفس المبدأ الذى يقرره النبى صلى الله عليه وسلم فيما كان يبلغ من كتاب الله

قال تعالى 8 « لا إِكرَاهَ فى الدِّينِ ، قد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ من الغَيِّ » وقال: 9 « أُدعُ إلى سبيلِ ربكَ بالحكمةِ والموعظةِ الحَسَنةِ ، وجادلهم بالتي هى أَحسَنُ » وقال: « 10 فذَكِّر إنما أنت مذَكِّرٌ ، لستَ عليهم بمُصَيطر » ، « 11 فإِن حاجُّوكَ فقل أسلمتُ وجْهِيَ لله ومن اتبعن ، وقل للذين أُوتُوا الكتابَ والأُميينَ أأسلمتم ؟ فان أسلموا فقد اهتَدَوا ، وإن تولَّوْا فانما عليك البلاغُ ، والله بصيرٌ بالعباد » « 12 أفأنْتَ تُكْرِهُ الناس حتى يكونُوا مُؤْمنين »

تلك مبادئ صريحة فى أن رسالة النبى صلى الله عليه وسلم ، كرسالة إخوانه من قبل ، انما تعتمد على الاقناع والوعظ . وما كان لها أن تعتمد على القوة والبطش ، واذا كان صلى الله عليه وسلم قد لجأ الى القوة والرهبة ، فذلك لا يكون فى سبيل الدعوة الى الدين ، وابلاغ رسالته الى العالمين ، وما يكون لنا أن نفهم إلا أنه كان في سبيل الملك ، ولتكوين الحكومة الاسلامية . ولا تقوم حكومة إلا على السيف ، وبحكم القهر والغلبة ، فذلك عندهم هو سر الجهاد النبوى ومعناه .

54 (٧) قلنا ان الجهاد كان آية من آيات الدولة الاسلامية ، ومثالا من أمثلة الشئون الملكية ، وإليك مثلا آخر ، :

كان فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم عمل كبير متعلق بالشئون المالية ، من حيث الايرادات والمصروفات ، ومن حيث جمع المال من جهاته العديدة ، « الزكاة والجزية والغنائم الخ » ومن حيث توزيع ذلك كله بين مصارفه ، وكان له صلى الله عليه وسلم سعاة وجباة ، يتولون ذلك له ، ولا شك أن تدبير المال عمل ملكى ، بل هو أهم مقومات الحكومات ، على أنه خارج عن وظيفة الرسالة من حيث هى ، وبعيد عن عمل الرسل باعتبارهم رسلا فحسب

(٨) وقد يكون من أقوى الأمثلة فى هذا الباب ما روى الطبري باسناده ، ان النبي صلى الله عليه وسلم وجه إمارة اليمن وفرقها بين رجاله، وأفرد كل رجل بحيزه واستعمل عمرو بن حزم على نجران ، وخالد بن سعيد بن العاص على ما بين نجران ورمع وزبيد ، وعامر بن شهر على همدان، وعلى صنعاء ابن باذام، وعلى عك والاشعرين الطاهر بن أبى هالة ، وعلى مأرب أبا موسى الأشعرى ؛ وعلى الجند يعلى بن أبى أمية ، وكان معاذ معلما يتنقل فى عمالة كل عامل باليمن وحضر موت 13 الخ

هنالك كثير غير ما ذكرنا قد وجد فى العصر النبوى ، مما يمكن اعتباره أثراً من آثار الدولة ، ومظهراً من مظاهر الحكومة ، ومخايل السلطنة ، فمن نظر الى ذلك من هذه الجهة ، ساغ له القول بأن 55 النبي صلى الله عليه وسلم كان رسول الله تعالى ، وكان ملكا سياسيا أيضاً

(٩) اذا ترجح عند بعض الناظرين اعتبار تلك الأمثلة ، واطمأن الى الحكم بأنه صلى الله عليه وسلم كان رسولا وملكا ، فسوف يعترضه حينئذ بحث آخر جدير بالتفكير . فهل كان تأسيسه صلى الله عليه وسلم، للمملكة الاسلامية ، وتصرفه فى ذلك الجانب شيئا خارجاً عن حدود رسالته صلى الله عليه وسلم ، أم كان جزءا مما بعثه الله له وأوحى به اليه ؟

فأما أن المملكة النبوية عمل منفصل عن دعوة الاسلام ، وخارج عن حدود الرسالة ، فذلك رأي لا نَعرِف فى مذاهب المسلمين مايشاكله ، ولا نذكر فى كلامهم ما يدل عليه ، وهو على ذلك رأي صالح لان يذهب اليه ، ولا نرى القول به يكون كفراً ولا الحاداً ، وربما كان محمولا على هذا المذهب ما يراه بعض الفرق الاسلامية من انكار الخلافة فى الاسلام مرة واحدة

ولا يهولنك أن تسمع ان للنبى صلى الله عليه وسلم عملا كهذا خارجاً عن وظيفة الرسالة ، وان ملكه الذى شيده هو من قبيل ذلك العمل الدنيوي الذى لا علاقة له بالرسالة ، فذلك قول إن أنكرته الاذن ، لان التشدق به غير مألوف فى لغة المسلمين ، فقواعد الاسلام ، ومعنى الرسالة ، وروح التشريع ، وتاريخ النبى صلى الله عليه وسلم ، كل ذلك لا يصادم رأيا كهذا ولا يستفظعه . بل ربما وجد ما يصلح له دعامة وسندا ، ولكنه على كل حال رأي نراه بعيداً

(١٠) وأما ان المملكة النبوية جزء من عمل الرسالة متمم لها ، وداخل فيها ، فذلك هو الرأى الذى تتلقاه نفوس المسلمين فيما يظهر 56 بالرضا ، وهو الذى تشير اليه أساليبهم ، وتؤيده مبادئهم ومذاهبهم ، ومن البيِّن أن ذلك الرأى لا يمكن تعقله الا اذا ثبت أن من عمل الرسالة أن يقوم الرسول ، بعد تبليغ الدعوة الالهية بتنفيذها على وجه عملي ، أي أن الرسول يكون مبلغاً ومنفذا معا ،

(١١) غير أن الذين بحثوا في معنى الرسالة ، ووقفنا على مباحثهم ، أغفلوا دائما أن يعتبروا التنفيذ جزءاً من حقيقة الرسالة ، الا ابن خلدون ، فقد جاء فى كلامه ما يشير الى ان الاسلام دون غيره من الملل الاخرى قد اختص بأنه جمع بين الدعوة الدينية وتنفيذها بالفعل ، وذلك المعنى ظاهر فى عدة مواضع من مقدمته التاريخية ، وقد بينه بنوع من البيان فى الفصل الذى شرح فيه اسم البابا والبطرك فى الملة النصرانية ، واسم الكوهن عند اليهود ، فقال :

« إعلم أن الملة لا بد لها من قائم عند غيبة النبي ، يحملهم على أحكامها وشرائعها ، ويكون كالخليفة فيهم للنبي فيما جاء به من التكاليف . والنوع الانسانى أيضاً ، بما تقدم من ضرورة السياسة فيهم للاجتماع البشرى ، لابد لهم من شخص يحملهم على مصالحهم ، ويزعهم عن مفاسدهم ، بالقهر ، وهو المسمى بالملك ، والملة الاسلامية لما كان الجهاد فيها مشروعا ، لعموم الدعوة ، وحمل الكافة على دين الاسلام طوعا أو كرهاً ، اتحدت فيها الخلافة والملك ، اتوجه الشوكة من القائمين بها اليهما معا ، وأما ما سوى الملة الاسلامية فلم تكن دعوتهم عامة ، ولا الجهاد عندهم مشروعا ، الا فى المدافعة فقط ، فصار القائم بأمر الدين فيها لا يعنيه شىء من سياسة الملك ، لأنهم 57 غير مكلفين بالتغلب على الأُمم الأُخرى . وانما هم مطلوبون باقامة دينهم فى خاصة أنفسهم الخ »

فهو كما ترى يقول ، إن الاسلام شرعى تبليغى وتطبيقى ، وأن السلطة الدينية اجتمعت فيه والسلطة السياسية ، دون سائر الاديان .

(١٢) لا نرى لذلك القول دعامة ، ولا نجد له سنداً ، وهو على ذلك ينافى معنى الرسالة ، ولا يتلاءم مع ما تقضى به طبيعة الدعوة الدينية كما عرفت ، وليكن ذلك القول صحيحاً ، فقد بقى مشكل آخر عليهم أن يجدوا له جوابا ، وأن يلتمسوا منه مخرجا ، ذلك هو المشكل الذى بدأنا عنده هذا المبحث فدفعنا الى بحث آخر .

اذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسس دولة سياسية ، أو شرع فى تأسيسها ، فلماذا خلت دولته اذن من كثير من أركان الدولة ودعائم الحكم ؟ ولماذا لم يعرف نظامه فى تعيين القضاة والولاة ؟ ولماذا لم يتحدث الى رعيته فى نظام الملك وفى قواعد الشورى ؟ ولماذا ترك العلماء فى حيرة واضطراب من أمر النظام الحكومى فى زمنه ؟ ولماذا ولماذا ! نريد أن نعرف منشأ ذلك الذى يبدو للناظر كأنه إبهام أو اضطراب أو نقص ، أو ماشئت فسمه ، فى بناء الحكومة أيام النبى صلى الله عليه وسلم ، وكيف كان ذلك ؟ وما سره ؟

لعل أولئك الذين يصرون على اعتقادهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم قام بدعوة الى دين جديد ، والى تأسيس دولة جديدة ، ويصرون 58 على أن الدولة التى أنشأها النبى صلى الله عليه وسلم كانت توضع أسسها ، وتدار شؤونها ، وتنظم أمورها ، بوحى الله تعالى أحكم الحاكمين ، ثم يضطرهم ذلك الى اعتقاد أن نظام الدولة زمن النبى صلى الله عليه وسلم ، بلغ غاية الكمال التى تعجز عنها عقول البشر ، وترتد دونها أفكارهم ، لعل أولئك اذا سئلوا عن سر هذا الذي يبدو نقصا فى أنظمة الحكم ، وإبهاما فى قواعده ، قد يلتمسون للجواب احدى تلك الخطط التى سنأخذ الآن فى بيانها

(١٣) أما صاحب كتاب تخريج الدلائل السمعية — ويوافقه رفاعة بك — فقد وجد له من ذلك المأزق مخلصا سهلا ، فزعم أن الحكومة كانت تشتمل فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم على كل مايلزم للدولة من عمال وأعمال ، وأنظمة مضبوطة ، وقواعد محدودة ، وسنن مفصلة تفصيلا ، لا مجال بعده لجديد ، ولا زيادة لمستزيد ،

وعسى أن لا يكون بك حاجة إلى إعادة هذا القول عليك بعد ماسبق

(١٤) قد يقول قائل يريد أن يؤيد ذلك المذهب بنوع من التأييد ، على طريقة أخرى : إنه لا شيء يمنعنا من أن نعتقد أن نظام الدولة زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان متينا ومحكما ، وكان مشتملا على جميع أوجه الكمال ، التى تلزم لدولة يدبرها رسول من الله ، يؤيده الوحى ، وتؤازره ملائكة الله ، غير أننا لم نصل الى علم التفاصيل الحقيقية ، ودقائق ما كانت عليه الحكومة النبوية ، من نظام بالغ ، وإحكام سابغ ، 59 لأن الرواة قد تركوا نقل ذلك الينا ، أو أنهم نقلوه ، ولكن غاب علمه عنا ، أو لسبب آخر ، 14 « وما أوتيتم من العلم إلا قليلا »

(١٥) تلك خطة لا ينبغى أن يرفضها لأول وهلة عقل العلماء . فانه لاحرج على نفوسنا أن يخالطها الشك فى أننا نجهل كثيراً من شؤون التاريخ النبوى ، بل الواقع أننا نجهل منه ومن غيره أكثر مما نعرف

على أهل العلم أن يؤمنوا دائمًا بأن كثيراً من الحقائق محجوب عنهم ، وعليهم أن يدأبوا أبداً فى كشف مغيبها ، واستنباط الجديد منها ، ففى ذلك حياة العلم ونماؤه ، غير أن احتمال جهلنا ببعض الحقائق لا ينبغى أن يمنعنا من الوثوق بما علمنا منها ، واعتبارها حقائق علمية ، نبنى عليها الاحكام ، ونقيم المذاهب ، ونبين لها الأسباب ، ونستخلص منها النتائج ، حتى يظهر لنا ما يخالفها ويثبت ثبوتاً علمياً

لذلك نقول إنه من المحتمل حقيقة أن يكون نظام الحكومة النبوية قد خفى علينا خبره ، وقد تكشف لنا الايام أنه كان المثل الأعلى فى الحكم ، ولكن ذلك الاحتمال لا يمنعنا أن نعود — ولما ينكشف لنا بالفعل مايخالف معلومنا — فنسأل من جديد عن منشأ ذلك الذى عرفنا الى الآن من الإبهام والاضطراب فى نظام الحكومة النبوية ، وعن سره ومعناه

(١٦) هنالك خطة أخرى للجواب عن ذلك السؤال

ذلك أن كثيراً مما نسميه اليوم أركان الحكومة ، وأنظمة الدولة ، وأساس الحكم ، إنما هى اصطلاحات عارضة ، وأوضاع مصنوعة ، 60 وليست هى في الواقع ضرورية لنظام دولة نريد أن تكون دولة البساطة ، وحكومة الفطرة ، التى ترفض كل تكلف ، وكل ما لا حاجة بالفطرة البسيطة اليه

وكل ما تمكن ملاحظته على الدولة النبوية يرجع عند التأمل إلى معنى واحد ، ذلك هو خلوها من تلك المظاهر التى صارت اليوم عند علماء السياسة من أركان الحكومة المدنية ، وهى فى حقيقة الأمر غير واجبة ، ولا يكون الاخلال بها حتما نقصاً فى الحكم ، ولا مظهراً من مظاهر الفوضى والاختلال ، فذلك تأويل ما يلاحظ على الدولة النبوية مما قد يعد اضطراباً

(١٧) كان محمد صلى الله عليه وسلم يحب البساطة ، ويكره التكلف . وعلى البساطة الخالصة التى لا شائبة فيها قامت حياته الخاصة والعامة ، كان يدعو إلى البساطة فى القول والعمل ، كما فى حديثه مع جرير بن عبد الله البجلي 15 « يا جرير إذا قلت فأوجز ، واذا بلغت حاجتك فلا تتكلف »

كان يعاشر الناس من غير تكلف ، ويجري معهم على منهج البساطة ، وقد « روى 16 أنه صلى الله عليه وسلم كان يمازح أصحابه … وعن ابن عباس رضى الله عنهما : كانت فى النبى صلى الله عليه وسلم دعابة » وكان يقول لاصحابه « 17 إنى أكره أن أتميز عليكم ، فان الله يكره من عبده أن يراه متميزاً بين 61 أصحابه » وروى أنه صلى الله عليه وسلم 18 « ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً » وفى حديثه لأبى موسى الاشعرى ومعاذ ، وسبقت روايته » يسرا ولا تعسرا ، وبشرا ولا تنفرا »

كان صلى الله عليه وسلم يكره الرياء والتكلف ، ويقول فى حجة الوداع 19 « اللهم اجعله حجاً مبروراً ، لا رياء فيه ولا سمعة » وقال الله تعالى مخاطباً له عليه السلام 20 « قل ما أسألكم عليه من أجْر وما أنا من المتكلفين » وكان فيما يبلغ عن شريعة الله تعالى يأمر الناس بالقواعد البسيطة ، وينهاهم عن التكلف ، ويناديهم « إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم » و« ان هذا الدين متين فأوغل فيه برفق » 21 و« ما جَعل عليكم فى الدين من حَرَج »

ولا تجد فيما جاء به من الشرائع حكما يرجع إلا إلى المبادىء الامية الساذجة . فلم يكلفهم فى أوقات الصلاة أن يحسبوا درج الشمس ، ولا مطالع النجوم ، بل جعل مناط ذلك ما يحس به كل انسان من حركة الشمس المشاهدة فى السماء ، وجعل الصوم والحج ومناسك العبادة متصلة بحركة القمر ، وحركة القمر محسوسة لا تحتاج الى حساب ولا رصد ، ولم يكلفنا فى الصوم أن نحسب لهلال رمضان ، بل جعل ذلك منوطاً برؤية الهلال رؤية بسيطة لا تكلف فيها ، وجاء فى ذلك الحديث 22 « نحن أمة أمية الخ » وحديث 23 صوموا لرؤيته الخ ، ولم يكلفنا حساب اليوم بالساعات 62 والدقائق ، بل ربطه كذلك بالشىء المحسوس ، الذى لا خفاء فيه « 24 وَكُلوا واشرَبُوا حتى يتَبيَّنَ لكُم الخَيْطُ الأَبيضُ من الخيْطِ الاسودِ من الفجر ثم أَتِمُّوا الصيامَ إلى الليْلِ »

كان صلى الله عليه وسلم أمياً ورسولا إلى الاميين ، فما كان يخرج فى شىء من حياته الخاصة والعامة ولا فى شريعته عن أصول الأمية ، ولا عن مقتضيات السذاجة والفطرة السليمة التى فطر اللهُ الناسَ عليها ، فلعل ذلك الذى رأينا فى نظام الحكم أيام النبى صلى الله عليه وسلم هو النظام الذى تقضى به البساطة الفطرية . ولا ريب فى أن كثيراً من نظم الحكم فى الوقت الحاضر إنما هى أوضاع وتكلفات ، وزخارف طال بنا عهدها فألفناها ، حتى تخيلناها من أركان الحكم وأصول النظام ، وهى إذا تأملت ليست من ذلك في شىء ،

إن هذا الذى يبدوا لنا إبهاماً أو اضطراباً أو نقصاً فى نظام الحكومة النبوية لم يكن إلا البساطة بعينها ، والفطرة التى لا عيب فيها

(١٨) لو كنا نريد أن نختار لنا طريقاً من بين تلك الطرق التى قصصنا عليك ، لكان ذلك الرأى أدنى الى اختيارنا ، فانه بالدين أشبه . لكننا لا نستطيع أن نتخذه لنا رأيا ، لأَنك إن تأملت وجدته غير وجيه ولا صحيح

حق أن كثيراً من أنظمة الحكومات الحديثة أوضاع وتكلفات ، وان فيها ما لا يدعو اليه طبع سليم ، ولا ترضاه فطرة صحيحة ، ولكن من الاكيد الذى لا يقبل شكا أيضاً أن فى كثير مما استحدث في أنظمة الحكم ما ليس متكلفاً ولا مصنوعا ، ولا هو مما ينافى الذوق الفطرى 63 البسيط ، وهو مع ذلك ضرورى ونافع ، ولا ينبغي لحكومة ذات مدنية وعمران أن تهمل الأخذ به

وهل من سلامة الفطرة وبساطة الطبع مثلا أن لا يكون لدولة من الدول ميزانية تقيد إيرادها ومصروفاتها ، أو أن لا يكون لها دواوين تضبط مختلف شؤونها الداخلية والخارجية ، إلى غير ذلك وإنه لكثير مما لم يوجد منه شئ فى أيام النبوة ، ولا أشار اليه النبى صلى الله عليه وسلم

إنه ليكون تعسفاً غير مقبول أن يعلل ذلك الذى يبدو من نقص المظاهر الحكومية زمن النبى صلى الله عليه وسلم بأن منشأه سلامة الفطرة ، ومجانبة التكلف .

فلنتمس وجهاً آخر لحل ذلك الاشكال

Cite this chapter

al-Rāziq, ʿAlī ʿAbd. “الكتاب الثانى، الباب الثانى: الرسالة والحكم.” In al-Islām wa-uṣūl al-ḥukm, First edition (Cairo, 1925); the page numbers in the text are those of this edition. pp. 48–63. Scan: Arabic Collections Online (NYU, https://sites.dlib.nyu.edu/viewer/node/68525. Online text: Islamic Internet Archives, https://islamicarchives.org/works/al-islam-wa-usul-al-hukm/chapter-6/

check jurisdiction: author d. 1966