Skip to content
☰ Contents 8 of 11

al-Islām wa-uṣūl al-ḥukm · ʿAlī ʿAbd al-Rāziq

الكتاب الثالث، الباب الاول: الوحدة الدينية والعرب

Printed pages 81–89

الكتاب الثالث — الخلافة والحكومة فى التاريخ

ليس الاسلام دينا خاصا بالعرب — العربية والدين — اتحاد العرب الدينى مع اختلافهم السياسى — الأمة الاسلامية دينية لا سياسية — ضعف التباين السياسى عند العرب — ايام النبي — انتهاء الزعامة بموت الرسول عليه السلام — لم يسمِّ النبي ( صلعم ) خليفة من بعده — مذهب الشيعة فى استخلاف على — مذهب جماعة فى استخلاف أبى بكر

81 (١) الاسلام كما عرفت دعوة سامية ، أرسلها الله لخير هذا العالم كله ، شرقيه وغربيه ، عربيه وأعجميه ، رجاله ونسائه . أغنيائه وفقرائه ، عالميه وجهلائه هو وحدة دينية ، أراد الله أن يربط بها البشر ، وأن تشمل أقطار الارض كلها ، وما كان الاسلام دعوة عربية ، ولا وحدة عربية ، ولا ديناً عربيا . وما كان الاسلام ليعرف فضلا لأمة على أمة ، ولا للغة على لغة ، ولا لقطر على قطر ، ولا لزمن على زمن ، ولا لجيل على جيل ، إلا بالتقوى . ذلك على رغم ما ترى ، من أن النبي عليه السلام كان عربيا ، وكان يحب العرب بالطبع ، ويثنى عليهم ، وكان كتاب الله عربيا مبينا

82 (٢) كان لا بد لدعوة الاسلام أن تخرج الى هذا الوجود ، وأن تبرز حقيقة ثابتة بين حقائق هذا الـكون ، وأن يحملها عن جانب القدس الأعلى رسول يختاره الله تعالى ، ليبلغها الى الناس

ولقد رضي الله جل شأنه ، وتعالى حكمه ، أن يختار رسوله لتلك الدعوة من بين القبائل العربية دون غيرها ، وأن يختاره فى العرب من بين ولد اسماعيل ، وأن يختاره من بين ولد اسماعيل فى كنانة ، وأن يختاره فى كنانة من قريش ، وأن يختاره فى قريش من بنى هاشم ، وأن يختار من بنى هاشم محمدَ بنَ عبدالله صلى الله تعالى عليه وسلم

لله جل شأنه حكمة فى ذلك بالغة ، قد نعرفها وقد لا نعرفها

«وَرَبكَ يَخْلُقُ مايَشَاء وَيَخْتَارُ ، ماكَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ، سُبْحَانَ الله وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ، وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ 1 »

كتاب عربي ، ورسول عربي ، فلا مناص بالطبع من أن تبدأ دعوة الاسلام بين العرب ، قبل أن تصل إلى غيرهم . ولا مناص بالطبع من أن يكون العرب أول من تشق آذانهم دعوة ذلك البشير النذير ، وأول من يهيب بهم ذلك الداعى إلى الله ، وأول من يحاول أن يجمعهم على الهدى

وكذلك بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعوة بين عشيرته الأقربين ، ثم بين قومه العرب ، وما زال بهم ، يؤيده نصر الله ، حتى أتوا لدعوته خاضعين . وكانوا تحت زعامة ذلك الرسول الامين ، أولَ داخل فى وحدة الدين

83 (٣) البلاد العربية ، كما تعرف ، كانت تحوى أصنافاً من العرب مختلفة الشعوب والقبائل ، متباينة اللهجات ، متنائية الجهات ، وكانت مختلفة أيضاً فى الوحدات السياسية ، فمنها ما كان خاضعاً للدولة الرومية ومنها ما كان قائماً بذاته مستقلا

كل ذلك يستتبع ، بالضرورة ، تبايناً كبيراً بين تلك الامم العربية ، فى مناهج الحكم ، وأساليب الادارة ، وفى الآداب والعادات ، وفى كثير من مرافق الحياة الاقتصادية والمادية

هذه الامم المتنافرة قد اجتمعت كلها فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، حول دعوة الاسلام ، وتحت لوائه ، فأصبحوا بنعمة الله اخواناً ، تربطهم وشيجة واحدة من الدين ، ويضمهم سياج واحد ، من زعامة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن عطفه ورحمته ، وصاروا أمة واحدة ، ذات زعيم واحد ، هو النبي عليه السلام

تلك الوحدة العربية التى وجدت زمن النبي عليه السلام لم تكن وحدة سياسية بأى وجه من الوجوه . ولا كان فيها معنى من معانى الدولة والحكومة ، بل لم تعدُ أبداً أن تكون وحدة دينية خالصة من شوائب السياسة . وحدة الايمان والمذهب الدينى ، لا وحدة الدولة ومذاهب الملك

(٤) يدلك على هذا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، فما عرفنا انه تعرض لشيء من سياسة تلك الامم الشتيتة ، ولا غيَّر شيئاً من أساليب الحكم عندهم ، ولا مما كان لـكل قبيلة منهم من نظام إدارى أو قضائى ، ولا حاول أن يمس ما كان بين تلك الامم بعضها مع بعض ، ولا ما كان 84 بينها وبين غيرها ، من صلات اجتماعية أو اقتصادية ، ولا سمعنا انه عزل والياً ، ولا عين قاضياً ، ولا نظم فيها عسساً ، ولا وضع قواعد لتجاراتهم ولا لزراعاتهم ولا لصناعاتهم . بل ترك لهم عليه السلام كل الشئون ، وقال لهم أنتم أعلم بها ، فكانت كل أمة ومالها ، من وحدة مدنية وسياسية ، وما فيها من فوضى أو نظام ، لا يربطهم إلا ما قلناه ، من وحدة الاسلام وقواعده وآدابه

ربما أمكن إن يقال ، أن تلك القواعد والآداب والشرائع ، التى جاء بها النبي عليه السلام ، للامم العربية ولغير الامم العربية أيضاً ، كانت كثيرة ، وكا فيها ما يمس إلى حد كبير اكثر مظاهر الحياة فى الامم ، فكان فيها بعض أنظمة للعقوبات ، وللجيش ، والجهاد ، وللبيع والمداينة والرهن ، ولآداب الجلوس والمشى والحديث ، وكثير غير ذلك . فمن جمع العرب على تلك القواعد الـكثيرة ، ووحد بين مرافقهم وآدابهم وشرائعهم الى ذلك الحد الواسع الذى جاء به الاسلام ، فقد وحد أنظمتهم المدنية وجعلهم بالضرورة وحدة سياسية ، فقد كانو إذن دولة واحدة ، وكان النبي عليه السلام زعيمها وحاكمها

ولكنك إذا تأملت ، وجدت ان كل ما شرعه الاسلام ، وأخذ به النبي المسلمين ، من أنظمة وقواعد وآداب لم يكن فى شيء كثير ولا قليل من أساليب الحكم السياسى ، ولا من أنظمة الدولة المدنية ، وهو بعد إذا جمعته لم يبلغ أن يكون جزءاً يسيراً مما يلزم لدولة مدنية من أصول سياسية وقوانين

85 ان كل ما جاء به الاسلام من عقائد ومعاملات ، وآداب وعقوبات ، فانما هو شرع دينى خالص لله تعالى ، ولمصلحة البشر الدينية لا غير . وسيان بعد ذلك أن تتضح لنا تلك المصالح الدينية أم تخفى علينا ، وسيان أن يكون منها للبشر مصلحة مدنية أم لا ، فذلك مالا ينظر الشرع السماوى اليه ، ولا ينظر اليه الرسول

والعرب وإن جمعتهم شريعة الاسلام لم يزالوا يومئذ على ما عرفت من تباين فى السياسة وفى غيرها من مظاهر الحياة المدنية والاجتماعية والاقتصادية ، ويساوى ذلك أن تقول ، انهم كانوا دولا شتى ، على قدر ما تسمح به حياة العرب يومئذ من معني الدولة والحكومة

تلك حال العرب يوم لحق عليه السلام بالرفيق الاعلى . وحدة دينية عامة من تحتها دول تامة التباين إلا قليلا . ذلك الحق لا ريب فيه

قد نخاف أن يخفى عليك أمر ذلك التباين ، الذى نقول إنه كان بين أمم العرب زمن النبي عليه السلام ، وأن تخدعك تلك الصورة المتسجمة التى يحاول المؤرخون أن يضعوها لذلك العصر . فاعلم أوّلا : أن فى فن التاريخ خطأً كثيراً ، وكم يخطيء التاريخ وكم يكون ضلالا كبيراً

واعلم ثانياً : انه فى الحق أن كثيرا من تنافر العرب وتباينهم قد تلاشت آثاره ، بما ربط الاسلام بين قلوبهم ، وما جمعهم عليه من دين واحد ، ومن أنظمة وآداب مشتركة ، واذكر ، ثالثاً : ما أسلفنا لك الاشارة اليه ، من أثر الزعامة الدينية التى كانت للرسول عليه السلام . فلا عجب إذن أن يكون تباين الامم العربية قد وهت آثاره ، وخفيت 86 مظاهره ، وخفت حدته ، وذهبت شدته . « واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَين قُلُوبكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ منَ النَّار فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا » 2

ولـكن العرب على ذلك ما برحوا أمماً متباينة ، ودولا شتى . كان ذلك طبيعيا ، وما كان طبيعيا فقد يمكن أن تخفف حدته ، وتقلل آثاره ، ولـكن لا يمكن التخلص منه بوجه من الوجوه

لم يكد عليه السلام يلحق بالرفيق الأعلى حتى أخذت تبدو جلية واضحة أسباب ذلك التباين بين أمم العرب ، وعادت كل أمة منهم تشعر بشخصيتها المتميزة ، ووجودها المستقل عن غيره ، وأوشكت أن تنتقض تلك الوحدة العربية ، التى تمت فى حياة الرسول عليه الصلاة والسلام ، « وارتد أكثر العرب ، إلا أهل المدينة ومكة والطائف ، فانه لم يدخلها ردة 3 »

(٦) كانت وحدة العرب كما عرفت وحدة إسلامية لا سياسية ، وكانت زعامة الرسول فيهم زعامة دينية لا مدنية ، وكان خضوعهم له خضوع عقيدة وايمان ، لا خضوع حكومة وسلطان ، وكان اجتماعهم حوله اجتماعا خالصاً لله تعالى ، يتلقون فيه خطرات الوحى ، ونفحات السماء ، وأوامر الله تعالى ونواهيه « وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْـكِتَاب وَالْحِـكْمَةَ »

تلك زعامة كانت لمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمى القرشى ، 87 ليست لشخصيته ولا لنسبه ولـكن لأنه رسول الله « وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى » 4 بل عن الله تعالى وبواسطة ملائكته المـكرمين . فاذا ما لحق عليه السلام بالملأ الأعلى لم يكن لأحد أن يقوم من بعده ذلك المقام الدينى ، لانه كان عليه السلام « خاتم النبيين » 5 وما كانت رسالة الله تعالى لتورث عن الرسول ، ولا لتؤخذ منه عطاء ولا توكيلا

(٧) وقد لحق صلى الله عليه بالرفيق الأعلى من غير أن يسمى أحداً يخلفه من بعده ، ولا أن يشير الى من يقوم فى أمته مقامه

بل لم يشر عليه السلام طول حياته الى شيء يسمى دولة اسلامية ، أو دولة عربية

وحاشا لله ، ما لحق صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى إلا بعد أن أدى عن الله تعالى رسالته كاملة ، وبين لأمته قواعد الدين كله ، لا لبس فيها ولا ابهام ، فـكيف — اذا كان من عمله أن ينشيء دولة — يترك أمر تلك الدولة مبهما على المسلمين ، ليرجعوا سريعاً من بعده حيارى يضرب بعضهم رقاب بعض ! وكيف لا يتعرض لأمر من يقوم بالدولة من بعده . وذلك أول ما ينبغي أن يتعرض له بناة الدول قديماً وحديثاً ! كيف لا يترك للمسلمين ما يهديهم فى ذلك ! وكيف يتركهم عرضة لتلك الحيرة القاتمة السوداء التى غشيتهم وكادوا في غسقها يتناحرون ، وجسد النبي بينهم لما يتم تجهيزه ودفنه !

(٨) واعلم أن الشيعة جميعاً منفقون على أن رسول لله صلى الله عليه وسلم قد عين عليا رضى الله تعالى عنه للخلافة على المسلمين من بعده 88 ولا نريد أن نقف بك عند مناقشة ذلك الرأى ، فان حظه من النظر العلمي قليل لا ينبغي أن يلتفت اليه

قال ابن خلدون : إن النصوص التى « ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة ، بل أكثرها موضوع أو مطعون فى طريقه أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة » 6

(٩) وقد ذهب الامام بن حزم الظاهرى الى رأى طائفة قالت إن رسول الله تعالى نص على استخلاف أبى بكر بعده على أمور الناس نصاً جلياً ، لاجماع المهاجرين والانصار على أن سمّوه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعني الخليفة فى اللغة هو الذى يستخلفه ، لا الذى يخلفه دون أن يستخلفه هو ، لا يجوز غير هذا البتة فى اللغة بلا خلاف الخ 7 وقد أطال فى ذلك

والذهاب مع هذا الرأى تعسف لا نرى له وجهاً صحيحاً . ولقد راجعنا ما تيسر لنا من كتب اللغة فما وجدنا فيها ما يعضد كلام الامام ابن حزم ، ثم وجدنا اجماع الرواة على اختلاف الصحابة فى بيعة أبى بكر ، وامتناع أجلة منهم عنها ، وقول عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه معتذراً عما قاله 8 يوم قبض الرسول صلى الله عليه وسلم « أيها الناس 89 إنى قد كنت قلت لـكم بالامس مقالة ما كانت إلا عن رأيى ، وما وجدتها فى كتاب الله ، ولا كانت عهداً عهده إلىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولـكني قد كنت أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا حتى يكون آخرنا . وان الله قد أبقى فيكم كتابه الذى هدى به رسول الله ، فان اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له ، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم ، صاحب رسول الله ، وثانى إثنين إذ هما فى الغار ، فقوموا فبايعوه » 9

وجدنا ذلك ووجدنا كثيراً غيره فعلمنا أن الذهاب إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين أمر الخلافة من بعده رأي غير وجيه ، بل الحق انه صلى الله عليه وسلم ما تعرض لشيء من أمر الحـكومة بعده ، ولا جاء للمسلمين فيها بشرع يرجعون اليه

وما لحق عليه السلام بالرفيق الاعلى الا من بعد ما كمل الدين ، وتمت النعمة ورسخت فى حقيقة الوجود دعوة الاسلام ، ويومئذ مات عليه الصلاة والسلام ، وانتهت رسالته ، وانقطعت تلك الصلة الخاصة التى كانت بين السماء والارض فى شخصه الـكريم عليه السلام

Cite this chapter

al-Rāziq, ʿAlī ʿAbd. “الكتاب الثالث، الباب الاول: الوحدة الدينية والعرب.” In al-Islām wa-uṣūl al-ḥukm, First edition (Cairo, 1925); the page numbers in the text are those of this edition. pp. 81–89. Scan: Arabic Collections Online (NYU, https://sites.dlib.nyu.edu/viewer/node/68525. Online text: Islamic Internet Archives, https://islamicarchives.org/works/al-islam-wa-usul-al-hukm/chapter-8/

check jurisdiction: author d. 1966