Skip to content
☰ Contents 10 of 11

al-Islām wa-uṣūl al-ḥukm · ʿAlī ʿAbd al-Rāziq

الكتاب الثالث، الباب الثالث: الخلافة الاسلاميه

Printed pages 95–105

ظهور لقب ( خليفة رسول الله ) — المعنى الحقيقى لخلافة ابى بكر عن الرسول — سبب اختيار هذا اللقب — تسميتهم الخوارج على ابى بكر بالمرتدين — لم يكن الخوارج كلهم مرتدين — مانعو الزكاة — حروب سياسية لا دينية — قد وجد حقيقة مرتدون — اخلاق ابى بكر الدينية — شيوع الاعتقاد بان الخلافة مقام دينى — ترويج الملوك لذلك الاعتقاد — لا خلافة فى الدين .

95 ( ١ ) لم نستطع أن نعرف على وجه أكيد ذلك الذى اخترع لابى بكر رضى الله عنه لقب خليفة رسول الله ، ولـكنا عرفنا أن أبا بكر قد أجازه وارتضاه

ووجدنا انه استهل به كتبه الى قبائل العرب المرتدة ، وعهده الى أمراء الجنود ، ولعلها اول ما كتب ابو بكر ، ولعلها أول ما وصل الينا محتويا على ذلك اللقب 1

( ٢ ) لاشك فى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان زعيما للعرب ومناط وحدتهم . على الوجه الذى شرحنا من قبل . فاذا قام ابو بكر من بعده ملـكا على العرب ، جماعا لوحدتهم ، على الوجه السياسى الحادث ، فقد ساغ فى لغة العرب ان يقال إنه ، بهذا الاعتبار ، خليفة رسول الله ، كما يسوغ أن يسمى خليفة باطلاق ، لما عرفت فى معنى الخلافة ، فابو بكر 96 كان اذن بهذا المعنى ، خليفة رسول الله ، لا معنى لخلافته غير ذلك

(٣) ولهذا اللقب روعة ، وفيه قوة ، وعليه جاذبية ، فلا غرو أن يختاره الصديق ، وهو الناهض بدولة حادثة ، يريد أن يضم أطرافها بين أعاصير من الفتن ، وزوابع من الاهواء العاصفة المتناقضة ، وبين قوم حديثى العهد بجاهلية ، وفيهم كثير من بقايا العصبية ، وشدة البداوة ، وصعوبة المراس . لـكنهم كانوا حديثى عهد برسول الله صلى الله عليه وسلم ، والخضوع له ، والانقياد التام لـكلمته ، فهذا اللقب جدير بأن يكبح من جماحهم ، ويُلين بعض ما استعصى من قيادهم . ولعله قد فعل .

ولقد حسب نفر منهم أن خلافة أبى بكر للرسول صلى الله عليه وسلم . خلافة حقيقية ، بكل معناها ، فقالوا إن أبا بكر خليفة محمد ، وكان محمد خليفة الله ، فذهبوا يدعون أبا بكر خليفة الله ، وما كانوا يكونون مخطئين فى ذلك لو أن خلافة الصديق للنبي عليه السلام كانت على المعنى الذى فهموه ولا يزال يفهمه كثير غيرهم الى الآن . ولـكن أبا بكر غضب لهذا اللقب ، وقال « لست خليفة الله ، ولـكنى خليفة رسول الله » 2

(٤) حمل ذلك اللقب جماعة من العرب والمسلمين على أن ينقادوا لإمارة أبى بكر انقياداً دينياً ، كانقيادهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن يرعوا مقامه الملوكى بما يجب أن يرعوا به كل ما يمس دينهم . لذلك كان الخروج على أبى بكر فى رأيهم خروجا على الدين ، وارتداداً عن الاسلام

97 والراجح عندنا ان ذلك هو منشأ قولهم إن الذين رفضوا إطاعة أبى بكر كانوا مرتدين ، وتسميتهم حروب أبى بكر معهم حروب الردة ،

(٥) ولعل جميعهم لم يكونوا فى الواقع مرتدين ، كفروا بالله ورسوله ، بل كان فيهم من بقى على اسلامه ، ولـكنه رفض أن ينضم الى وحدة أبى بكر ، لسبب ما ، من غير أن يرى فى ذلك حرجا عليه ، ولا غضاضة فى دينه . وما كان هؤلاء من غير شك مرتدين ، وما كانت محاربتهم لتكون باسم الدين . فان كان ولا بد من حربهم فانما هى السياسة ، والدفاع عن وحدة العرب ، والذود عن دولتهم .

وقد وجدنا أن بعض من رفض بيعة ابى بكر ، بعد أن تمت له البيعة من المسلمين ، كعلى ابن ابى طالب ، وسعد بن عبادة ، لم يعاملوا معاملة المرتدين ، ولا قيل ذلك عنهم .

(٦) ولعل بعض أولئك الذين حاربهم أبو بكر لانهم رفضوا أن يؤدوا اليه الزكاة ، لم يكونوا يريدون بذلك أن يرفضوا الدين ، وأن يكفروا به ، ولـكنهم لا غير رفضوا الاذعان لحكومة أبى بكر ، كما رفض غيرهم من جِلَّة المسلمين ، فكان بديهياً أن يمنعوا الزكاة عنه ، لانهم لا يعترفون به ، ولا يخضعون لسلطانه وحكومته

كم نشعر بظلامة التاريخ وظلمه ، كلما حاولنا أن نبحث جيداً فيما رواه لنا التاريخ عن أولئك الذين خرجوا على أبى بكر ، فلقبوا المرتدين ، وعن حروبهم تلك التى لقبوها حروب الردة

ولـكن قبساً من نور الحقيقة لا يزال ينبعث من بين ظلمات التاريخ ، 98 وسيتجه العلماء يوما نحو ذلك القبس ، وعسى أن يجدوا على تلك النار هدى

دونك حِوارَ خالد بن الوليد ، مع مالك بن نويرة ، أحد أولئك الذين سمَّوْهم مرتدين ، وهو الذى أمر خالد فضربت عنقه ، ثم أخذت رأسه بعد ذلك فجعلت أُثفية 3 لقدر

يعلن مالك ، فى صراحة واضحة ، الى خالد أنه لا يزال على الاسلام ، ولـكنه لا يؤدى الزكاة الى صاحب خالد ( أبى بكر )

كان ذلك إذن نزاعاً غير دينى . كان نزاعاً بين مالك ، المسلم الثابت على دينه ولـكنه من تميم ، وبين أبى بكر القرشى ، الناهض بدولة عربية أئمتها من قريش . كان نزاعاً فى ملوكية ملك ، لا فى قواعد دين ، ولا فى أصول إيمان

ليس مالك هو وحده الذى يشهد لنفسه بالاسلام ، بل يشهد له به أيضا عمر بن الخطاب ، إذ يقول لابى بكر « إن خالداً قتل مسلما فاقتله » بل يشهد له بالاسلام ايضا ابو بكر إذ يجيب « ما كنت أقتله ، فانه تأول فأخطأ » 4

ودونك مثالا آخر ، قول شاعر منهم5

اطعنا رسول الله ما كان بيننا … فيالعباد الله ما لابى بكر

ايورثنا بكراً إذا مات بعده … وتلك لعمر الله قاصمة الظهر

99 فأنت لا تجد فى هذا إلا رجلا ثائراً على أبى بكر ، منكراً لولايته ، رافضا لطاعته ، آبيا لبيعته ولـكنه فى الوقت نفسه يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يعلن إباءه لشيء من الاسلام

ثم ألسنا نقرأ فى التاريخ أيضا ، أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قد أنـكر على أبى بكر قتاله المرتدين وقال « كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فمن قالها عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه ، وحسابه على الله » 6

ذلك قليل مما بقى فى الاخبار من صدق كاد يعفى التاريخ على أثره ، ومن حق كاد يذهب بخبره . وابحث فثم مزيد

(٧) لسنا نتردد لحظة فى القطع بان كثيراً مما وسموه حرب المرتدين فى الايام الاولى من خلافة أبى بكر لم يكن حربا دينية ، وانما كان حربا سياسية صرفة ، حسبها العامة دينا ، وما كانت كلها للدين

ليس من عملنا فى هذا المقام أن نبين لك تلك الاسباب الحقيقية ، التى كانت فى الواقع مثاراً لـكثير من حرب الردة ، ولا نستطيع أن ندعى اضطلاعنا بهذا البحث ، إن نحن حاولناه . ولـكن يخيل الينا انك قد تظفر ببعض الاسباب الاساسية المهمة اذا أنت دققت النظر فى أنساب وقبائل الثائرين على أبى بكر ، وعرفت صلتهم من قريش ، جد البيت القائم بالملك ، واذا أنت فطنت إلى سنن الله تعالى فى الدول الناشئة ، والعصبيات المتغلبة على الملك ، وكنت مع ذلك بصيراً بطبائع العرب وآدابهم ، ثم رزقت التوفيق

100 ( ٨ ) نحن نميل الى الاعتقاد بانه قد ارتد بالفعل جماعة من المسلمين ، بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فذلك شيء تـكاد تقضي به سنن الطبيعة وأنظمتها التى عرفنا . وأسهل من ذلك ان نعتقد بانه قد ادعى النبوة ، فى حياة محمد صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته ، متنبئون كذابون . وقد نرى فى مشاهداتنا أن دعوى النبوة ليست بعيدة من ذهن المضلل الغوى ، اذا هو لقى من العامة انجذاباً ، وأغوى منهم صحابا واحبابا ، ولا شيء أسهل عند العامة من الايمان بنبوة ذلك المضلل الغوى ، اذا هو عرف كيف يغريهم بالضلال ، ويمدهم فى الغى . لذلك نرجح انه قد وجد بالفعل ، فى أول عهد ابى بكر ، جماعة ارتدوا عن الاسلام ، بوفاة النبي عليه السلام كما وجد من ادعى النبوة فى قبائل العرب

وقد كان من أول ما عمل ابى بكر نهوضه لحرب اولئك المرتدين الحقيقيين ، والمتنبئين الـكذابين . حتى غلبهم وقضى على باطلهم .

لا نريد البحث فيما اذا كانت لابى بكر صفة دينية صرفة جعلته مسئولا عن أمر من يرتد عن الاسلام ام لا ، ولا نريد البحث فيما اذ كانت ثمت أسباب غير دينية حفزت لتلك الحرب عزيمة ابى بكر أم لا .

ومهما يكن الامر فلا شك أن أبا بكر قد بدأ عمله فى الدولة الجديدة بحرب أولئك المرتدين . وهنا نشأ لقب المرتدين . نشأ لقبا حقيقيا ، لمرتدين حقيقيين ، ثم بقى لقبا لـكل من حاربهم ابو بكر من العرب بعد ذلك ، سواء أكانوا خصوما دينيين ومرتدين حقيقة ، أم كانوا خصوما سياسيين غير مرتدين . ومن أجل ذلك انطبعت حروب ابى بكر فى 101 جملتها بطابع الدين ، ودخلت تحت اسم الاسلام وشعاره ، وكان الانضمام الى ابى بكر دخولا تحت لواء الاسلام ، والخروج عليه ردة وفسوقا .

(٩) ربما كانت ثمت ظروف أخرى خاصة بابى بكر ، قد ساعدت على خطأ العامة ، وسهلت عليهم أن يشربوا امارة أبى بكر معنى دينيا .

فقد كانت للصديق رضى الله عنه منزلة رفيعة ممتازة ، عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر فى الدعوة الدينية ممتاز وكذلك كانت منزلته عند المسلمين

وقد كان الصديق مع هذا يحذو حذو الرسول ، ويمشى على قدمه ، فى خاصة نفسه ، وفى عامة أموره ، ولا شك فى أن ذلك كان شأنه أيضاً فى سياسة أمر الدولة . فقد سار بها ، مبلغ جهده ، فى طريق دينى ، ونهج بها ، على القدر الممكن . منهج رسول الله . فلا غرو أن أفاض أبو بكر على مركزه فى الدولة الجديدة ، التى كان هو أول ملك عليها ، كل ما يمكن من مظاهر الدين

( ١٠ ) تبين لك من هذا أن ذلك اللقب ( خليفة رسول الله ) مع ما أحاط به من الاعتبارات التى أشرنا الى بعضها ولم نشر الى باقيها ، كان سبباً من أسباب الخطأ الذى تسرب الى عامة المسلمين ، فخيل اليهم أن الخلافة مركز ديني ، وأن من ولى أمر المسلمين فقد حل منهم فى المقام الذى كان يحله رسول الله صلى الله عليه وسلم

وكذلك فشا بين المسلمين منذ الصدر الاول ، الزعم بأن الخلافة مقام دينى ، ونيابة عن صاحب الشريعة عليه السلام

102 (١١) كان من مصلحة السلاطين أن يروجوا ذلك الخطأ بين الناس ، حتى يتخذوا من الدين دروعا تحمى عروشهم ، وتذود الخارجين عليهم . وما زالوا يعملون على ذلك ، من طرق شتى — وما أكثر تلك الطرق لو تنبه لها الباحثون — حتى أفهموا الناس أن طاعة الأئمة من طاعة الله ، وعصيانهم من عصيان الله ، ثم ما كان الخلفاء ليكتفوا بذلك ، ولا ليرضوا بما رضى ابو بكر ، ولا ليغضبوا مما غضب منه ، بل جعلوا السلطان خليفة الله فى ارضه ، وظله الممدود على عباده . سبحان الله وتعالى عما يشركون

ثم اذا الخلافة قد أصبحت تلصق بالمباحث الدينية ، وصارت جزءاً من عقائد التوحيد ، يدرسه المسلم مع صفات الله تعالى وصفات رسله الكرام ، ويلقنه كما يلقن شهادة ان لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله

تلك جناية الملوك واستبدادهم بالمسلمين ، اضلوهم عن الهدى وعموا عليهم وجوه الحق ، وحجبوا عنهم مسالك النور باسم الدين ، وباسم الدين ايضا استبدوا بهم ، وأذلوهم ، وحرموا عليهم النظر فى علوم السياسة ، وباسم الدين خدعوهم وضيقوا على عقولهم ، فصاروا لا يرون لهم وراء ذلك الدين مرجعا ، حتي فى مسائل الادارة الصرفة ، والسياسة الخالصة ،

ذلك وقد ضيقوا عليهم ايضا فى فهم الدين ، وحجروا عليهم فى دوائر عينوها لهم ثم حرموا عليهم كل أبواب العلم التى تمس حظائر الخلافة

كل ذلك انتهى بموت قوى البحث ، ونشاط الفكر ، بين المسلمين ، 103 فاصيبوا بشلل ، فى التفكير السياسى ، والنظر فى كل ما يتصل بشأن الخلافة والخلفاء

(١٢) والحق ان الدين الاسلامى برىء من تلك الخلافة التى يتعارفها المسلمون ، وبرىء ، من كل ماهيأوا حولها من رغبة ورهبة ، ومن عز وقوة . والخلافة ليست فى شيء من الخطط الدينية ، كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة . وانما تلك كلها خطط سياسية صرفة ، لا شأن للدين بها ، فهو لم يعرفها ولم ينكرها ، ولا أمر بها ولا نهى عنها ، وانما تركها لنا ، لنرجع فيها الى احكام العقل ، وتجارب الامم ، وقواعد السياسة

كما أن تدبير الجيوش الاسلامية ، وعمارة المدن والثغور ، ونظام الدواوين لا شأن للدين بها ، وانما يرجع الامر فيها الى العقل والتجريب ، او الى قواعد الحروب ، او هندسة المبانى وآراء العارفين

لا شيء فى الدين يمنع المسلمين ان يسابقوا الامم الاخرى ، في علوم الاجتماع والسياسة كلها ، وان يهدموا ذلك النظام العتيق الذى ذلوا له واستكانوا اليه ، وأن يبنوا قواعد ملـكهم ، ونظام حكومتهم ، على احدث ما انتجت العقول البشرية ، وأمتن ما دلت تجارب الامم على انه خير أصول الحكم

والحمد لله الذى هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله ، وصلى الله على محمد وآله وصحبه ومن والاه

104

105

Cite this chapter

al-Rāziq, ʿAlī ʿAbd. “الكتاب الثالث، الباب الثالث: الخلافة الاسلاميه.” In al-Islām wa-uṣūl al-ḥukm, First edition (Cairo, 1925); the page numbers in the text are those of this edition. pp. 95–105. Scan: Arabic Collections Online (NYU, https://sites.dlib.nyu.edu/viewer/node/68525. Online text: Islamic Internet Archives, https://islamicarchives.org/works/al-islam-wa-usul-al-hukm/chapter-10/

check jurisdiction: author d. 1966